الأربعاء 30 رمضان 1442 / 12 مايو 2021

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
08-14-1442 01:54
تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1471
"بيت حمدة"!!
* منال العتيبي
يعرف ساكنوا مكة وزائريها ما أرمي إليه في كلامي من التنوع الطبقي والاجتماعي والاقتصادي بل وحتى الجغرافي الذي يجتمع فيها .
فيما مضى كنت أظن أن ساكني السواحل وحدهم من يتمتعون بحس منفتح على العالم جراء ارتياد المراكب عليهم محملة بالبضائع وبالبشر!
عشت حينا من طفولتي في مكة لارتيادنا منازل خؤولتي هناك، فكنت أعجب من التنوع السكاني الذي يجمع سكان الحي الواحد دون طبقية أو تمييز أو عنصرية _أثرى هذا التنوع ادراكي وصقل شخصيتي_
في حارة خالتي كانت هناك امرأة اسمها حمدة،،، سمراء داكنة البشرة ترى دوما متلفعة مسفعها،، بقميص له أكمام طويلة.. كل ما يعرفه عنها أهل الحارة أنها وزوجها نجديان سكنا مكة بعد ما توظف زوجها في احدى دوائرها الحكومية، مرت بهما سنوات طويلة بعد زواجهما دون أن يمن الله عليهما بابنة أو ابن يتعكزان عليهما في شيخوختهما ..
فتبنيا كل أبناء الحارة وبناتها بل وحتى أطفال الزوار أيضا .. كان لها بيت جميل تتوسطه جنينة مظللة بشجر كثيف يحجب الرؤية قليلا تنفذ من بين أغصانها أشعة الشمس ، فيما تهب عليها سموم مكة فتعطي صوتا جميلا .. حفيف الأشجار ..
لطالما كان منزل حمدة ملاذا آمنا لي ولابن خالتي وبنت عمه، عندما نطرق بابها يأت صوتها من داخل المنزل .. مين .. أنا سعيد ي خالة!
من معاك..؟ منال وراوية ..
تفتح الباب بعد تلكؤ يناسب سنها .. فيما يدمن ابن خالتي طرق الباب .. تقول ببحة أذكرها .. بشويش دق الباب.. سعيد بتكسر بابي!
ندخل تهيء لنا الطراريح لنجلس عليها وتصنع شايا وتقدمه مع سفرة نواشف تخبئ الحلاوة الطحينية لابن خالتي الثاني .. وتقول فيما تقرب لنا الأكل .. برفع هذي لأحمد يحبها .. أنتوا كلوا هذي تكفيكم!
مشاهد كثيرة كانت حمدة حاضرة فيها، كأن تقلب قدرا على نار، أو تسهم في إسكات طفل يبكي، أو تشدو بصوت جميل أغنية عتيقة ..
*ي شجرة ميلي كيف أميل ميلي على الشق اليمين*
ذات حين ،،مرض زوج حمدة، ولم يمهله مرضه كثيرا فمات .. لم تعد حمدة لديار قومها، ولم تكن تحكِ عن أسرتها ،، غدت *الحارة* موطنها..!
ابن أخ وحيد، كان يزورها من حين لآخر، كل مرة يقترح عليها الذهاب معه، وتتمنع بلطف، ويغادرها! هنا بيتي ي عمة! وهذولا أهلي وناسي، ولا وحشتكم تعالوا زوروني .. مكة قريب! تقولها وهي تعي أن صبره عليها بدأ ينفذ!
كانت تطيل المقام عند خالتي، تحضر صبحا، وتغادر بعد العشاء، تخاف من الوحدة كثيرا، وتمكث تطهو وتنظف وتحيك وتحمل وتتسوق وتساعد .. لا أحد يطلب مساعدتها لكنها تساعد الجميع !
لها صورة في ذهني وهي تحمل أختي سلمى،، _كانت مسرفة في الصياح_تهدهدها حتى تنام تتطامن بين يديها وتنام، عندما تنظر لوجهها كانت تصيح فزعة،، تقول حمدة وهي تمدها لأمي .. بنتك ما تحب البوية السوداء..! وتغرق في الضحك..!
مرضت حمدة، وتردت صحتها كثيرا، وتناهى لسمع أهلها خبر مرضها، فقدم ابن أخيها لمكة، ورحل بها،، كانت في الرمق الأخير من الحياة وضعفت مقاومتها كثيرا!
غادرت حمدة الحارة،وعينيها تذرف دمعا ساخنا، وهي تعدهم بأنها ستطيب وتعود! لكنها لم تعد..
مرضت حمدة فرحلت فماتت،، ومن يومها تناقص عدد القطط التي كانت تدمن الوقوف على بابها!
وخبت نار الشاي الذي كانت تعده للأطفال الذين يشاركونها الافطار!
وماتت جنينة الورد التي كانت تظلل المنزل!
وغاب الصوت الشجي والضحكة المبحوحة.. وظل منزلها علامة يعرفها رواد الحي .. "بيت حمدة"!!

* كاتبة سعودية




التعليقات
#857 Saudi Arabia [طيف ماجد]
3.00/5 (1 صوت)

08-15-1442 04:03
-

[طيف ماجد]

#858 European Union [Raghad]
4.00/5 (2 صوت)

08-15-1442 10:48
ما شاء الله مقال رائع جداً، ومميز وممتع للقراءة ، ومصطلحات جميلة وتدل على ثقافة الكاتبة، هنيئًا للصحيفة بهذه الكاتبة

[Raghad]

#859 Romania [Amal]
5.00/5 (1 صوت)

08-16-1442 07:11
بساطة في الطرح
سلاسة في التعبير
ألفاظ رقيقة
وصف شيق
ترابط اجتماعي لطيف يظهر بين السطور
وأرواح جميلة ما عا يبرز جمالها وسط أسلوب الحياة التقني الحديث
لا عادت تجمعنا سفرة النواشف ولا فنجان الشاي ولا عاد وجود لبيوت مثل بيت حمدة ....
أبدعت يا أستاذة منال ، ونطالب بالمزيد
سلمت يدك و أنار الله فكرك.

[Amal]

#860 Saudi Arabia [بثينة الامير]
4.00/5 (1 صوت)

08-16-1442 08:19
سلمت وسلم قلمك ... شكرا لمشاركتك لنا مشاعرك والتي ان كنا قد عشنا مثلها في مكان آخر. بيت حمدة ( رحمها الله) بيت موجود في كل حارة وفي كل بلد في العالم وان اختلفت الأسماء والأعراق والاديان.ابدعت في التصوير.

[بثينة الامير]

#861 Romania [ايهاب سمكري]
0.00/5 (0 صوت)

08-21-1442 04:38
مقال رائع يذكرنا بالماضي الجميل.. هناك عدة عبر تخرج منه ابرزها الألفة التي كانت تجمع الجيران وأهل الحواري ببعض دون عنصرية او عصبية قبلية او للون بشرة او اصل ومنشأ وما الى ذلك. ترابط إجتماعي يجمع بين اهالي الحارة او المنطقة بعيدا عن مانراه الآن للأسف. فلم تعد اارابطة واللحمة موجودة ولا الجيران كما عرفناهم ولا الألفة كما تعلمناها. تحية عطرة لك ولمقالك عزيزتي فبين سطوره رسائل اتمنى ان يعيها الجميع. دمت ودام قلمك.

[ايهاب سمكري]

تقييم
9.54/10 (18 صوت)