الأحد 29 جمادى الثاني 1441 / 23 فبراير 2020

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
01-24-1435 08:06
تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 988
 ملامح التجربة الشعرية للشاعر الحميدي الثقفي
يا رب هذا الطريق افعى تفح وعتمة اعشاب
ملامح التجربة الشعرية للشاعر الحميدي الثقفي
إبراهيم الشتوي - شعبية يتميز النص الشعري عند الحميدي بأنه نص مكتنز بالصور الشعرية الكلية والجزئية، حيث تتجلى تلك الصور لتكشف لنا عن بنيتها الدلالية المنبثقة من ذاته الفاعلة التي يعبر بها من المفهوم الحسي إلى المجرد ومن الوعي الى اللاوعي، متميزا في تحويل المشاهد اليومية المألوفة الى لوحات شعرية باذخة وموظفا التقنيات والآليات الشعرية ومستوياتها البنائية والاسلوبية لإنتاج نص غني مبنى ومعنى ومغني، يقول الناقد صبحي البستاني في كتابه( الصورة الشعرية في الكتابة الفنية) الأصول والفروع (ان الصورة الشعرية تخترق الحدود المرئية لتبلغ عمق الأشياء، فتكشف عما تعجز عن كشفه الحواس) ونجد في هذا النص كيف استطاع الحميدي الثقفي رسم تلك العلامات اللغوية والسياقات الدلالية في مشهد شعري مكتنز بالصور الحسية والذهنية.
يا رب هذا الطريق افعى تفح وعتمة اعشاب
ظلمة وطين وبلل وعظام ناس اموات حية
الليل غابة ونبض انفاس صدري فاس حطاب
تستنبت النار فاكهة الشتا شمس ابجدية
من سلة الريح من غيم الصدف لا بلل ثياب
من رجفة اللون من تفاحة البرد الشهية
والشارع الصمت نهر اسود من المطاط جلباب
يقرا صدى خطوة العابر ملامح سرمدية
فلنتأمل: (الطريق أفعى) (الليل غابة) (ونبض انفاس صدري فاس حطاب) (تستنبت النار فاكهة الشتا)
(سلة الريح) (غيم الصدف) (رجفة اللون) (تفاحة البرد) (والشارع الصمت نهر اسود من المطاط جلباب)
نجدها صوراً شعرية تراوحت بين الحسية والذهنية والرمزية، مستفيدا من تقنية الانزياح وخرق المألوف في تكثيف الدلالة وادهاش المتلقي وذلك بتحويله للمفاهيم التجريدية الى صور حسية وكذلك تشخيص المكان من حالة الجمود الى حالة الحركة مثل قوله (الطريق أفعى).
فالحميدي الثقفي يضج شعره بالحنين وملتهب بالغربة، انها غربة الذات لا غربة الجسد، غربة يشكل في أبعادها رؤاه داخل اروقة نفسه وأغوار روحه يقول ذات نزف وعزف:
في داخلي صمت يحتاج انفعال اكثر
من زخرف القول يا (خالد) وتصنيعه
الشعر بعيون اخوك الحلم والمهجر
خوف وبعض صدق تنزفني ينابيعه
فالتجربة الشعرية عند الحميدي الثقفي تجربة ناضجة، منبثقة من وعيه في اختزال الدلالة الشعرية للرفع من قيمة البناء الفني للقصيدة ومن تلك الومضات النابعة من الذات والتي نجح في تحقيق الوظيفة الفكرية والجمالية من خلالها:
طفولتي يا حلم يا غربة إحساس
يا بعد شق بخنجر البعد جوفي
اصرخ ولكن تحتضن صوتي اقواس
وجمرة قلم مرتد تشعل كفوفي
كل ما تكسر للقلم بيدر الماس
حدر السنابل تورق اغصان خوفي
دائما ما يتحفنا الحميدي الثقفي بصور شعرية من انتاج ريشته إذ انه يقدمها على شكل حركة مكثفة وأدوات فاعلة، عبر تركيبها اللفظي ورمزها اللغوي:
لا شفت يا ماجد هوى غصن الزمان وطاح بي
والنار في جرحي تصب آخر نشيد اعراسها
اكتب عزاي اني تعقبت السواد.. وراح بي
درب طويل من العطش بين الشفاه وكاسها
ف(هوى غصن الزمان وطاح بي)
(والنار في جرحي تصب آخر نشيد اعراسها)
نجدها صورة شعرية متحركة عبر مساحات (الأنا) في داخله.. (وطاح بي، في جرحي) مما يجعل المتلقي في علاقة دائمة مع النص وتعايش مستمر ومنهمر، فالنص الشعري عند الحميدي الثقفي فكرة متفجرة عبر لغة كبرى استطاع ان يوزع صداها في أبعاد مداها ليشكل منجزه الشعري وما تضج به من حركة ونمو وتشظ وفق عملية السرد التي تعبر عن انهماكه الانساني الشديد الرهافة والتوتر، فالنص عنده محلق في فضاءات ذاته ومتألق في صباحات حضور شعري يغرقنا بالدمع ويبلل السمع من خلال انفعالاته وانثيالاته الذاتية:
رغبت القصيدة رغبة الطير للتحليق
سماي اصبعين وبينها الجرح مسباقي
تعودت اموت بصدق وارحل بلا تعليق
كفاني أحس بلذة الموت فاوراقي
كذلك نجد ان الحميدي لم يهمل الموروث في ذاكرته الشعرية بل جعله جزءا رئيسا في منطويات النص الدلالية والتركيبة كما في قوله:
سيوف معلقة وخيام ودلال وسروج خيول
مرابطها خشب وتقاعدت في قرنها الحادي
تموت الخيل عطشا في (المذاود) والشعاب سيول
تلحفنا جلود احلامنا.. في المرقد الهادي
فنجده استطاع توظيف المفردة الشعرية القديمة والانفلات من هيمنة الشكل الشعري التقليدي للتحليق في فضاءات منجز شعري متماسك ومتطور ومتألق في تعميق رؤيا النص التي تعبر عن حزنه ومزنه:
حزين! لكن ماني ابغيمه ولا دمعي.. رشاش
مهموم! لكن ماني اللي.. من همومه مفترس!!
احرق فتافيت الدبش بالنار واهتج (المحاش)
واكسر غضب موج البحر.. واتجاهل ارباح (البرس)
هذا أنا.. ضد الوحل ضد الغرق.. ضد المناش
جيت وهذا صوتي أنا.. للمسمع البارد جرس!!
ارجع وأقول ان الحميدي الثقفي استطاع النفوذ في عمق المشهد الشعري والذي تتجلى من خلال ذلك، اضاءاته وثراؤه والرؤيا التي تنطلق منها قصائده باعتماده على التقنيات الشعرية لايصال الرؤية والرؤيا للمتلقي بكل دقة ورقة وهندسة، مثل تقنية الصورة الشعرية الحديثة واستخدامه للون في تشكيل الصورة الشعرية التي تجنح نحو التجريد والتعمق في الدلالة:
رفرفت في بالي أوراق بيضا مهملة
واشتهى صمت ابيض الجوع تفاح الكلام
ومثل تقنية المفارقة - الدهشة في قوله:
بعدها صار البحر صمتك فراغك
والشجر هذا الدم المورق شماغك!
كذلك اشتغاله الدائم في نصوصه على استخدام تقنية السرد الشعري وتقنية التكرار وتقنية الاستذكار (الفلاش باك) وتقنية التلوين.





تقييم
1.01/10 (13 صوت)