الجمعة 25 ربيع الأول 1441 / 22 نوفمبر 2019

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
09-11-1434 12:10
تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 4359
التماثل التكراري فالنص الشعري  عند مطلق الثبيتي
التماثل التكراري فالنص الشعري عند مطلق الثبيتي
* د. آمال يوسف
مطلق الثبيتي شاعر سعودي ، ولد في الطائف بمنطقة مكة المكرمة 1937 ، تخرج من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ، ثم تقلد عدة مناصب ؛ فقد كان عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بعد أن نال فيها درجتي الماجستير والدكتوراه ، ثم سكرتير مجلة الدارة التي تصدر عن دارة الملك عبد العزيز بالرياض ، ثم الملحق التعليمي بسفارة المملكة السعودية بالسودان ، ثم رئيس البحوث العلمية بوزارة التعليم العالي ، توفي إثر مرض في الولايات المتحدة 1995
وهو علم بارز على الساحة الشعبية ، عرفته حلبات المحاورة منذ أكثر من ثلاثين عاماً ، حتى أصبح قمة من قممها ، وله أربعة دواوين ، ثلاثة دواوين بشعر الفصحى وهي:-
و سوف تقتصر الدراسة على ديوان ” أندلسيات ” (1) لدراسة ظاهرة التكرار في شعر مطلق الثبيتي ؛ وذلك لشيوع هذه الظاهرة فيه أكثر من غيره
وديوان ” أندلسيات ” يضم أعمال الشاعر الأخيرة ، وقد غلبت على الديوان أشعاره التي قالها أثناء زيارته أسبانيا “الأندلس “ ، ولذلك أطلق عليه ” أندلسيات
” جراح الأمس ” و” المغتره ” و” أندلسيات ” وديوان شعر نبطي بعنوان :- ” قصائد ومحاورات شعبية “”
أنماط التماثل التكراري في شعر مطلق الثبيتي
من الظواهر الأسلوبية اللافتة في شعر مطلق الثبيتي التكرار ، والمراد بالتكرار ( إعادة ذكر كلمة أو عبارة بلفظها ومعناها ، في موضع آخر أو مواضع متعددة من نص أدبـــــــي واحد ) (2)
والتكرار ليس مجرد ترديد لكلمة معينة ، أو لعبارة ما ، إنما هو وسيلة لغوية تنبض بإحساس الشاعر وعاطفته ؛ حيث يرتبط بالحالة الشعورية الملحة على الشاعر قبل أن يرتبط بأي غرض آخر كالموسيقى أو الترابط البنائي بين أجزاء القصيدة أو حسن المخرج
معــــنى ذلك أن التكرار الذي لا يتولد من إحساس الشاعر وانفعاله يبدو متكلفاً ، ويفقد كثيراً من أهميته الأسلوبية ، ولهذا يمكن القول ( إن أسلوب التكرار يستطيع أن يغني المعنى ويرفعه إلى مرتبة الأصالة ، ذلك إن استطاع الشاعر أن يسيطر عليه سيطرة كاملة ، ويستخدمه في موضعه ، وإلا فليس أيسر من أن يتحول هذا التكرار نفسه بالشعر إلى اللفظية المبتذلة ) (3)
إن ظاهرة التكرار وسيلة من الوسائل التي يمكن أن تؤدي دوراً تعبيرياً واضحاً ؛ ( فتكرار كلمة ما يوحي يشكل أولي بسيطرة هذا العنصر المكرر وإلحاحه على فكر الشاعر أو شعوره أو لاشعوره ، ومن ثم فهو لا يفتأ ينبثق من أفق رؤياه من لحظة لأخرى ) (4)
على ماتقدم نجد أن للتكرار دوراً دلالياً كبيراً في عملية البناء الفني للقصيدة ؛ حيث يوظفه الشاعر لدواعٍ نفسية وفنية تتعلق بطرفي عملية الإبداع / المبدع والمتلقي ، فالأسلوب الفني يتحرك على مستويات الإبداع والتلقي ليشحذ طاقة كلٍ منهما في خدمة التجربة الفنية وثرائها التعبيري والوجداني ، يضاف لذلك أنه يخدم البنية الإيقاعية للنص الشعري ، وذلك بما يضفيه من تماثل في تنغيم الأداء الصوتي تكسبه موسيقية ، ينشط لها ذهن المتلقي ، فيكون أكثر تجاوباً مع القصيدة ، ويوفر للقصيدة إمكانات تعبيرية ، ويخلق جواً موسيقياً متناغماً
من هنا يمكن القول إن التكرار من أهم الخصائص التي استمدها فن الشعر من أصول الموسيقى وعلم الجمال الحديث ، فهو أساس الإيقاع بجميع صوره ؛ لأنه في القصيدة يسهم كثيراً ( في تثبيت إيقاعها الداخلي ، وتسويغ الاتكاء عليه بوصفه مركزاً صوتياً ، يشعر الأذن بالانسجام والتوافق والقبول ) (5)
وانطلاقاً مما سبق سوف نقوم باستقراء أهم أنماط التكرار الأسلوبية في شعر مطلق الثبيتي ، متخذين من ديوان ” أندلسيات ” نموذجاً للمثال وليس الحصر ، وذلك للكشف عن الرؤية التي تنطوي عليها قصيدة الشاعر في هذا المجال
(1) التكرار الاستهلالي
تشكل الجملة الاستهلالية مدخلاً للقصيدة ، وتحمل ذروتها أو إحدى ذراها الأساسية ، من هنا جاءت هذه الجمل – في أغلبها- ذات كثافة إيحائية عالية ، وعند دراسة التكرار في شعر مطلق الثبيتي نلحظه يعمد الشاعر إلى تكرار مفردة أو جملة معينة في مستهل قصيدته للإيحاء بأنها قد تشــــــــــــــكل محوراً تعبـــــــيرياً بارزاً فيها ؛ ( ويستهدف التكرار الاستهلالي في المقام الأول الضغط على حـــلة لغوية واحدة ) (6) ، وينتـــــج عن هذا التــكرار بعـــدان ؛ الأول : إيقــــاعي / صوتي ، والثاني دلالي يقول الشاعر في قصيدة ” الطائر المخدوع ” (7)
نوحي على الأيك في جنح الدجى نوحي واستلهـمي الحزن من قلبـــي ومن روح
لم يــــــــبق في الأيك لا لهو ولا مرح أو رسم عـــشٍ لطـــــير غيــــر مجــروح
هل تذكرين رموزاً من قصـــــــــائدنا تبــــكي عليــــنا بدمــــع غير مســـــفوحٍ
ياطائر الأيك لا تحزن لفرقتـــــــــــنا وارحل عن الدوحِ إن الحــزن في الـــــدوح
يستهل الشاعر قصيدته بالجملة الفعلية ( نوحي ) في بداية الشطر الأول بإسناد فعل (النوح ) الوارد بصيغة الأمر إلى المخاطب في القصيدة ( طائر الأيك ) ، وتتكرر ، الصيغة نفسها في نهاية الشطر ؛ لتعكس مدى الأسى والحزن لديه والشعور باليأس والإحباط ، فالشاعر يسلط مشاعره السلبية على المكان حوله ، ويدعو الطائر أن ينوح ، وأن يستمد الحزن من قلبه المكلوم ومن روحه المعذبة
وإذا كان فعل النوح يتكرر مرتين في مستهل القصيدة ، ويحقق نتاجاً إيقاعياً ودلالياً واضحاً فإنه يخلق- أيضاً - معجم القصيدة ، أي أنه يولد كلمات تؤكد المناخ الحزين للقصيدة ، ويحولـــــــــــها إلى ما يشبـــه المرثية ؛ ( الحزن – مجروح- تبكي ) ، هذا بالإضافة إلى تكرير صوت الحاء ثلاث عشرة مرة ، والذي من شأنه أن يضفي لوناً من الحزن ، والحاء صوت حلقي مهموس ، وهو من الأصوات الرخوة التي يسمع لها نوع من الحفيف عند النطق به ، وترديده في البيت ( متصل بالطرب إن حزناً وإن فرحاً ) (8)
ويتضح – كذلك- التكرار الاستهلالي في قصــــيدة ” الرحيل المفاجأة ” (9) ، والتي يقول في مطلعها :-
ياصديقي قد كنت أوفى صـــديق وعلى دربنــــــــــــا الكؤود رفيقي
تمـلأ الــــروض نرجساً وورودا ثم تنــــمو على الوداد الحقيـــــقي
كنــــــت فينا مبرزاً وجـــــَّوادا ! تحتــــــــوينا بوصل حـــــبٍ وثيق
تدور القصيدة حول رثاء الشاعر صديقه ، وقد عبر الشاعر بالتكرار ( ياصديقي – صديق )عن شدة تعلقه بصديقه الذي يرثيه ، وانطلاقاً من هذه الفجيعة المرة يصرخ الشـــــــــــــاعر بندائه ( ياصديقي ) ، مما يكشف عن الأثر البالغ الذي تركته تلك الفجيعة في نفسه ، وإذا كان صديقه قد انتقل إلى مثواه الأخير ، فإن الشاعر قد انتقل بجميع إحساساته وشعوره إلى مثوى الفقيد ، وظن أنه يساكنه ويحادثه ، فبدأ بالنداء ( ياصديقي ) ، وكأنه يمنحه امتداداً حضورياً ، يواجه به عوامل الفناء والموت التي أصابته
فالموت قد وقع فعلاً ، لكن الشاعر عندما يستدعي ذكرى صديقه يعمد إلى الأفعال المضارعة ( تملأ – تنمو – تحتوينا ) ؛ ليؤكد استمرار الحدث وتجدده ، ورغم ذلك فالشاعر يصر على انقضاء هذا الزمن ، ولذلك فإنه يدخل على هذه الأفعال المضارعة الفعل الماضي ( كنت ) المكرر مرتين ، ناسخاً دلالة هذه الأفعال ، ومغيراً زمنها إلى الماضي ، وهكذا استطاع الشاعر بالتكرار أن يعبر عن مدى فقده لصديقه الذي كان يعتبره رمزاً للصدق والوفاء والرجولة والكفاح
(2) التكرار الختامي
هو شكل من أشكال التكرار الصوتي ، ويأتي في ختام القصيدة ليؤدي ( دوراً شعرياً مقارباً للتكرار الاستهلالي ، من حيث المدى التأثيري الذي يتركه من صميم تشكيل البنية الشعرية للقصيدة / غير أنه ينحى منحى نتجياً في تكثيف دلالي وإيقاعي يتمركز في خاتمة القصيدة ) ( 10)
ومن نمـــاذج هذا الشــــــكل في شعر مطـــلق الثبيـــتي قوله في خـتام قصـــــــيدة ( غثاء الحياة ) (11)
وليس لمثلي غير شكوى يعيدها على مسمع الدنيا ، فهل تنفع الشكوى؟
اعتمد التكرار الختامي على إعادة لفظ ( شكوى ) مرتين في البيت ، وفي المرة الثانية جاء مقترناً بالجملة الاستفهامية ( فهل تنفع الشكوى ؟ ) ، والاستفهام يكشف عن قلة حيلة الشاعر ، فلا يستطيع أن يفعل غير الشكوى ، وكأنه أراد أن يؤكد ذلك بالاستفهام الذي أراد من خلاله الإقرار بعدم جدوى الشكوى ، وهكذا جاء التكرارمتواشجاً مع الاستفهام ليسهم في تجسيد تجربة الشاعر والتعبير عن معاناته وشكواه من متاعب الحياة ومنغصاتها ، وشد انتباه المتلقي ، فالشاعر يحشد كل الإمكانات اللغوية للتعبير عن تجربته ، وإمتاع المتلقي وإمتاعه معاً ، ولعل هذا الأسلوب المركب من الكلمة المكررة والاستفهام يسهم في تحقيق هذه الغاية
وفي قصيدة ” وقفة على إطلالة غرناطة ” (12) يقول في ختامها :-
فلا اللسان لساني حين أسمــــعهم يروون عني ولا الأسيـــاد أســيادي
قوم حيارى فما يدرون هل غضبي من عجمة القول أو من متعة الضاد
شاركتهم بهجة الأعياد متشــــحاً ثوب الحداد فما الأعـــــــياد أعيادي
يبرز البيت الأخير تناقضاً غريباً على مستوى الدلالة ، ساهم في إبرازه طبيعة التقابل التي تتخلل البيت – بهجة الأعياد / متشحاً ثوب الحداد ، فيوم العيد يحمل معه عادة بشائر الفرح والسعادة وابتــهاج القلوب لقدومه ، إلا أن واقع الحياة التي يعيشها الشاعر فرض عليه أن يجسد طبيعة هذا التناقض في البنـــــــاء الشعري ،فهو يعيش في غربة ووحشة
فقد اصطدم بواقع الحياة الذي تنمحي معه هوية الغريب ، وقد زاوج الشاعر في البيت الأخير بين الحزن والفرح ،حيث مزج بين ألفاظ معجم الفرح – بهجة الأعياد – ، وألفاظ معجم الحزن – متشحاً ثوب الحداد – ، وجعل الدلالة- بذلك – في البيت تتحول إلى قالب من الحزن ، فطبيعة الخط الدلالي في البيت تتجه من الفرح إلى الحزن ، ومن الحياة إلى الموت ، ليكون الجانب السلبي هو المسيطر في النهاية
وتأكيداً لهذا التحرك انتهت الصياغة في البيت بالجملة المنفية / فلا الأعياد أعيادي ، هذه الجملة التي أكد من خلالها أنه لا توجد علاقة تربطه بهؤلاء الناس ، فإذا كان الشاعر مضطراً لمشاركتهم هذا العيد فإنه لا يشعر بالفرح في هذا اليوم ، وهذه البنية التكرارية ( الأعياد- الأعياد – أعياد ي) قد تعاضدت مع البنية التكرارية في البيت الأول ( اللسان – لساني ) ، ( الأسياد أسيادي ) في بلـــــــورة الخط الدلالي الذي تسير فيه الصياغة ، وفي خلق إيقاع موسيقي يعمق الإحســـاس الشعوري ، وهو الشعور بانقطاع الأواصر وانعدام الهوية في الغربة ، وعلى مستوى الصياغة الفعليــــة نجد أن الأفعال جاءت جميعها بصيغة المــــــــــضارعة ( أسمعهم- يروون – لا يدرون ) ، ماعدا الفعل ( شاركتهم ) ، وذلك يؤكد استمرارية الحدث وطغيانه على الأبيات ، والذي يتمثل في عدم وجود جذور للتفاهم بينه وبينهم ، وانقطاع أواصر الصلات
(3) تكرار المطلع
وهو نوع من التكرار يقوم على إعادة الشطر الأول من القصيدة في ختامها ، وكأن الشاعر بذلك يحكم إغلاق القصيدة ، ويركز على المضــــــــمون الشعري المتناول ، مما ينشأ عن ذلك ما يمكن أن نسميه القفل ؛ ففي قصيدة ( الرسم بالمرود ) (13) يبدأ الشاعر قصيدته بقوله :
لا تنكري حزني وسوء تبلدي إني أرى ما لا تـــــــــــرين من الغد !
ويختمها بقوله :
فإذا كرهت من الحياة كهوفها لا تنـــــــــكري حزني وسوء تبلدي
ونلحظ - هنا – أن تكرار المطلع حدث فيه تغيير عن موضعه ، فقد قدم الشطر الأول على الثاني ، ولعل هذا التغيير لا يخلو من دلالة فنية عند الشاعر ، فلعله يريد أن يكسر المتوقع عند المتلقي – سامعاً كان أو قارئاً ، أو الإيحاء بتوحد الحالة الشعورية ، مما يجعل القصيدة كالدائرة المغلقة ، تنتهي من حيث بدأت ، وتبدأ حيث تنتهي ، والقصيدة تهتم بالتعبير عن شذرات النفس وهمومها وأحاسيسها الداخلية
فالشاعر بتكرار الشطر في أول القصيدة وآخرها إنما يعبر عن حالة نفسية يمر بها ، حيث يرسم في خياله صورة رائعة لامرأة يتصورها في عالمه الخاص ، بعيداً عن عالم الناس ، بعيداً عن الحقيقة والحياة ، إنه يرسم صورة لحسناء – كما يتمناها – ، وكما تحلو له في خياله ، حتى يظن أصدق الظن أنها حقيقة ماثلة ، إنه يعشق الخرافة ، ويعرف أنها خرافة ، لكنه يدمن عشقها إلى الحد الذي تصيبه الغيرة من عشاقها الآخرين
وبتكرار الشاعر للمطلع في ختام القصيدة أراد أن يؤكد على صيغة بعينها ،وهذه الصيغة تعكس شعوراً يسيطر عليه ، حيث يعاني آلام ومتاعب ، وسبب ذلك كله ما يتمتع به الشاعر من رهافة الحس والشعور أكثر من غيره وفي قصيدة ” ثقوب في خيمة العنكبوت ” (14) يبدأ الشاعر القصيدة بقوله :
في لســــــــاني من الحياة مرارة وعن الســـــــر هل أزيح الستارة ؟
ويختمها بقوله :
لا تلمـــــــني بحبه لست أدري في لســــاني من الحــــياة مرارة
يعمد الشاعر إلى تكرار المطلع – في لساني من الحياة مرارة – ؛ ليصور من خلال ذلك إحساساً نفسياً بالغاً بالألم والحسرة ؛ حيث يعاني من الغربة وآلام الفراق التي غلفت حياته بظلال من الهموم ، وحملته الكثير من العذاب والأشجان ، فهو يرافق الهموم والضياع ، ويشعر بكآبة الحياة
وقد أراد الشاعر أن يحشد جميع الإمكانات اللغوية للتعبير عن تجربته ، وجاء التكرار إحدى هذه الإمكانات ، فقد عمد الشاعر إلى تكـــرار المطلع في النهاية ؛ ليثير إحساساً نفسياً بالغاً بالألم والحسرة والمرارة ، فبعده عن وطنه يشعره بالمرارة ، وعلى هذا يكون التكرار ( أحد الأضواء اللاشعورية التي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر ، فيضيئها ، بحيث نطلع عليها ) ( 15) وكأن الشاعر يتلذذ بذكر معاناته ، حيث لا يجد عن الوطن سوى المرارة
ومن الواضح في المثالين السابقين أن المطلع المكرر في نهاية القصيدة جاء في غير موضعه ؛ حيث نجده في الشطر الأول في المطلع ، بينما نجده في الشطر الثاني في الخاتمة ، ومثل هذا التكرار يربط الأبيات ، ويجعلها أكثر تماسكاً ، ويكثف النغمة الموسيقية الناشئة عن التكرار ، وهذا التعديل في وضع الشطر يكسر ما هو متوقع لدى المتلقي ، الذي كان يتوقع تكراراّ منطقياً للشطر الأول ، وكسر النظام – هنا – تنبيه للمتلقي ، وإيقاظ لمشاعره
فقارئ المطلع المكرر في نهاية القصيدة ( يتذكره حين يعود إليه مكرراً في مكان آخر من القصيدة ، وهو بطبيعة الحالة يتوقع توقعاً غير واعٍ أن يــجده كمـا مر به تماماً ، ولذلك يحس برعشة من السرور حين يلاحظ فجأة أن الطريق قد اختلف ، وأن الشاعر يقدم له في حدود ما سبق أن قرأه لوناً حديداً ) (16)
(4)التكرار التجاوري
البنية التجاورية تتمثل في تجاور كلمتين أو تركيبين أو جملتين ، أفقياً على امتداد السطر الشعري ، أو رأسياً على امتداد الأسطر المتعاقبة ، وهذا يجعل المساحة بين الكلمتين أو التركيبين أو الجملتين – تكاد تكون معدومة ، وبذلك فإن عملية المجاورة بين الألفاظ المكررة تعمل على تعميق الناتج الدلالي في نقطة بعينها ، وترسيخه بصورة مباشرة في ذهن المتلقي
ومن نماذج ذلك تكرار الصيغة الاستفهامية – رأسياً – في توالٍ منتظم في قول الشاعر :
أين سرب المها وخضــــــر الروابي أين قصـــــــر الحمراء رحب الجناب
أين ســـيفي وعدتي وحصـــــــاني أين درعـــــي وخنـــــجري وحرابي
أين موســـــى وطارق والجـــواري في المضــــــيق تلفــــــــــعت بالعباب
تتحرك الأبيات داخل إطار من البحث العبثي الذي يؤول إلى نوع من الإحباط النفسي أو خيبة الأمل ، وهذا التكرار له دلالته المعبرة التي تشير إلى التوق إلى أمجاد العرب في أسبانيا / الأندلس سابقاً ، فالشاعر يكرر الصيغة الاستفهامية ( أين ) خمس مرات في خمس جمل متوالية في اتجاه رأسي ؛ لتمثل نقطة الارتكاز التي ينطلق منها المعنى في كل جملة ، وتؤكد السياق الاستفهامي الذي أفرزته في الصياغة
فالشاعر يحاول أن يقوم بعملية استدعاء وتذكر للأمجاد التي سطرها العرب والمسلمون في الأندلس ( سرب المها- خضر الروابي – قصر الحمراء – سيفي- عدتي – حصاني – درعي- خنجري – موسى – طارق- الجواري ) ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على حنين الشاعر لموطنه الذي يتذكره من خلال تلك الأمجاد ، ولكن كل ذلك كان في الماضي ، ولم يعد له أثراً في الحــــــــاضر ، ولذلك تصبح الصيغة الاستفهامية المكررة بمثابة المعادل الموضوعي لعدم استعادة مثل هذه الأمجاد
ومما يلاحظ أن وقوع الأداة في أول الأشطر له أثر بالغ في عملية الربط بين الجمل وتماسك بنيتها ؛ حيث أصبحت ” أين ” العنصر الأساسي لانتظام النسق الشعري التركيبي ، تعمل على توجيه السياق وربطه تبعاً لمقتضيات العلاقة الاستفهامية القائمة بين الجمل الشعرية المتوالية ، وإلى جانب هذا فإنها تعمل على تعميق الدلالة الاستفهامية ، التي من شأنها أن تكشف عن الحالة الشعورية المتوترة التي تعيشها الذات بعيداً عن المجد الزائل والتقاسيم العربية المذبوحة
ومن الحروف التي تدخل في إطار هذا النمط من التكرار ( واو العطف ) يقول مطلق الثبيتي في قصيدته ” غُثاء الحياة ” (18) :
صبرت وما لذت بهمي إلى الشــكوى ولا قلت يوماً للــهوى أننــــي أهـوى
وأخفيتـــــه في خافق طال بؤســــــه وغرّبته عن سارق الســـــر والنجــوى
وحاولت أن أسلو وأخفي مشـــاعري عن الجاهل الواشي فلم تنفع الســلوى
وجربت أن أبني من الحـــــب عالما فكانت رجال الشــــر من قوتي أقوى
وفتشت طيات الحيــــــــاة فلم أجد سوى نخبة تشكـــو من الهم والبلوى
وباقي ثنيــــات الحـــــــياة وجدتها غُثاء على درب العـــــلا لونه أحــوى
فهنا تتزاحم الأفكار والصور على ذهن الشاعر ، ولكن يعبر عنها ، ويصورها شعراً ، مستعيناً بحرف ( الواو ) الذي تركز في أوائل الأبيات الخمسة ، وأول الشطر الثاني في البيتين الأول والثاني ، يشد أجزاء اللوحة بعضها بعض ، تلك اللوحة التي يجسد فيها مشاعره ولوعته وشكواه التي حاول أن يخفيها عن عيون الحاقدين ، وتستمر معاناة الشاعر ، فلم يسلم الشاعر من شرهم
ومن هنا فإن حرف ( الواو ) يصبح أداة فاعلة في ضم جزئيات المعنى وتوحيدها ، وفي الوقت نفسه يصبح خالقاً ومعمقاً لدلالات المعنى ، عبر سرده لهذه الجزئيات المشكلة بدورها لجوهر المعنى الذي أراده ، كما يشكل حرف ( الواو ) الرابطة اللغوية بين أبيات القصيدة ؛ فالأبيات مشدودة بعضها إلى بعض برباط محكم ، مما يجعل هذه
الأداة تتحول من أداة لغوية محضة إلى أداة تعبيرية وعاطفية مشحونة بالإيحاء بتفاصيل رؤية الشاعر ومعاناته وبث شكواه ، مما يهب القصيدة وحدتها البنائية والدلالية ، وإلى جانب ذلك تحقق من خلال تتابع حــــــرف ( الواو ) تماثلاً صوتياً متوازياً ، لكن إيقاعه ضعيف ؛ لأن الواو صوت واحد ، فيبدو الإيقاع في أوائل الأبيات وكأنه آهات عليل ، أو زفرات مكلوم ، والإيقاع متماثل متوازٍ في أوائل الأبيات
ومن أشكال التكرار التجاوري أن يأتي اللفظان المكرران متجاورين دون انفصال بينهما ، ومن أمثلة ذلك قول الشاعر :
جئــــــــت من عالــــــم بعـــــيد بعيــــــــد ورأيــــــــت منـــــــمقين الحضــــــارة (19)
يكشف التكرار ( بعيد - بعيد ) عن مفارقة بين عالمه الأول ( موطنه) والثاني ( موطن الغربة ) ، والعالم الأول يحمل عبق التاريخ وأمجاد الأجداد ، والعالم الثاني يمثل الحضارة الزائفة ، التي تخلو من الروح ، ولبعد المكان الذي أتى منه الشاعر ( موطنه ) يكرر لفظ بعيد ، ويلح عليه ، فالهوة سحيقة بين العالمين
ويحقق مثل هذا الشكل من أشكال التكرار تأكيداً للفظ المكرر ، وتعميقاً لدلالته ، وتوسيعاً لمداه ، فحاصل الجمع بين اللفظين المكررين يعطي دلالات جديدة مغايرة لدلالة اللفظ المفرد ، وبالطبع ليست مناقضة ، ولكنها تبدو جديدة ، مضافة للدلالة الأولى ، وذلك بتوسيعها وتعميقها ، كما ينتج هذا التكرار إيقاعاً بارزاً في محل التكرار , وقد يفصل بين اللفظين المكررين حرف العطف ؛ ومن ذلك قول الشاعر :
واستيقظت في حنايا القــــلب حرقتــــــه وعربدت فيه أشـــــــــياء وأشـــــــــــياء ( 20)
يسترجع الشاعر من خلال التكرار ( أشياء وأشياء ) الذكريات ؛ فالذكريات تسكن حنايا الفؤاد وخواطره ، وتملأ وجدانه ، وقد عبر الشاعر عن هذه الذكريات التي تراكمت وأيقظت إحساسه ومشاعره ، فالتكرار- هنا – يعمق دلالة البيت ويوسعها
وقد يكرر الشاعر ” التــــركيب الإضافي ” ؛ وذلك في مثل قوله في قصيدة ” في ذكرى عكاظ “(21)
فيا ربة الشـــــعر التي كان طيــــــفها يســــــامرني حتى وهبـــــت لها عمري
ويا ربة الشعر التي في رحابـــــــــــها قضـــــــيت مع الأيـام ردحـــاً من الدهر
ويا ربة الشعر التي فاح نشـــــــــرها أفيــــــضي علينا صــيب الشعر والنثـــر
ويا ربة الشعر التي طال ذكــــــــرها أزيلي ظــلام الشــــك ياربة الشـــــــعر
تدور الأبيات حول “ذكرى عكاظ ” التي جعلها عنواناً للقصيدة ” في ذكرى عكاظ ” ، وانطلاقاً من محبته لهذا المكان الذي يجعله مصدر إلهامه يصرخ بهذا النداء الذي يسبق التركيب الإضافي ” ياربة الشعر ” في أربعة أبيات متوالية ، ثم يكررها مرة خامسة في نهاية البيت الرابع
واستخدم الشاعر أداة النداء ( يا ) (الموضوعة لنداء البعيد حقيقة أو حكماً ، وقد ينادى بها القريب توكيداً ) (22) ، ولكنه استغل هذه الأداة للدلالة على بعد المنادى- ربة الشعر - في المكان فقط ؛ وذلك لبعده عن الوطن ، وليس لبعدها عن نفسه ، ويؤكد ذلك أن الشاعر كررها خمس مرات ، مما يشي بأهمية المنادى واستحواذه على بؤرة تفكير الشاعر وتعلقه به ، فقد ترك هذا المكان في نفس الشاعر أثراً بالغاً
فإذا كان حرف النداء (يا) يستخدم للبعيد – كما ذكرنا – فإن الشاعر يكثف منه في الصياغة ؛ ليستحضر المنادى ، ويمنحه امتداداً حضورياً ، يواجه به إحساسه بوحشة الفقد ، فلو أن المنادى ( عكاظ ) أصبحت غائبة ، إلا أن الأثر الذي تركته مازال حاضراً ، متمثلاً في شعره الذي وهبه عمره
والتكرار – هنا – يصبح له دور تأسيسي ؛ لأن المنادى ( ربة الشعر ) المسبوق بياء النداء في كل مرة يتصل بمواصفات مختلفة عن بعضها البعض ، وإن كانت تتحد في المرجع ،إذ أنها جميعاً أوجه متعددة لحقيقة واحدة هي عكاظ / ربة الشعر ، ومن طبيعة هذه المواصفات أن توسع من الدائرة الدلالية ، وتجعلها تضم أكثر من حقل دلالي في دائرة واحدة
وقد يكرر الشاعر الجملة ، وذلك في مثل قوله في قصيدة “الله أكبر ” (23)
الله أكبـــر من شـــــــــــيخ ومن ولــــــد يرجو الجـــهاد فـــداء الدين والبـــــــلد
الله أكـــبر والأعـــــــــــلام خافقــــــــة يحــــدو بها الشوق في جـــدٍ وفي جــــلد
الله أكـــبر قد ســـــــارت جــــــحافلنا إلى المــــــعارك في عــــــدٍ وفي عـــــــــددٍ
الله أكبـــر ليــــــس الجبـــن مذهبــــنا وما اعــــــتدينا ولا جـــــرنا على أحــــد
الله أكبــــر إن المعتــــــــــدين أبــــــوا إلا اعتــــــداء فثــــــارت غضــــبة الأسد
الله أكـــبر قد قمــــنا وقـــــــــد برزت أبطالــــــــنا لجـــــهاد الظلــــم والحســد
الله أكبـــر دون النفــــس قد رفعــــــت أعلام شعبــــي فيا نصري ويا ســــــعدي
الله أكبـــــر إن الديـــــــــن يأمـــــــرنا بأن نـــــــــــذود عن الأوطــــان والولــــــد
الله أكبـــــر فلتمــــــضي جـــــــحافلنا إلى الجـــــهاد بحــــفظ الــــواحد الأحـــــد
لقد أخذت بنية التجاور في الأبيات شكلاً رأسياً ، وهذا التكرار الرأسي الذي شكلته البنية المحورية الجملة الاسمية / الله أكبر لا يجري دون هدف ، ولا هو من قبيل التنغيم الموسيقي المحض ، بل جاء نابضاً بإحساس الشاعر وعواطفه ، كما أن صيغتها الاسمية تقوي من صفتي الرسوخ والثبات للهوية التي أراد الشاعر إبرازها وتأكيدها ؛ حيث يريد الشاعر أن يؤكد هوية بلاده ونقاء ملامحها فارتفع صوته بما يبرهن على إيـمان تلك الهوية ، ولذلك كرر الجملة الاسمية ( الله أكبر) في تسعة أبيات متوالية ، مضيفاً إياها في كل مرة ملمحاً من ملامح البطولة والتضحية والفداء في سبيل الله
إن البنية التكرارية ( الله أكبر ) لا تكتسب أهميتها من القيمة العددية فحسب ، بل من ارتباطها بالحالة الشعورية المسيطرة على الصياغة أيضاً ، وهي حالة رفع راية الحق ، واتخاذ الإيمان غاية وهدف ، ووضع هذه البنية في صدر الصياغة يؤكد اتخاذها شعاراً وهوية لكل مسلم يريد أن يرفع راية الإسلام ، وينصر دين الحق سبحانه وتعالى
وعلى هذا النحو تتكرر عند الشاعر أدوات أخرى وألفاظ أخرى وتراكيب وجمل متجاورة تساهم في تشكيل البنية التركيبية من ناحية ، وفي زيادة الناتج الدلالي وتقويته من ناحية أخرى ، كما يحدث توافق صوتي يكثف الإيقاع الصوتي من ناحية ثالثة
(5)التكرار النسقي
من أنماط التكرار- كذلك – عند مطلق الثبيتي النسق التركيبي ذاته ؛ وهو ما يسمى بالتكرار النسقي ؛ فالكلمات تستبدل ويبقى النمط التركيبي قائماً ، ويكتسب هذا النمط من التكرار أهميته من أنه تتولد عنه مقاطع موسيقية متناغمة ومتساوية تطرب له أذن المتلقي ؛ حيث يقسم المصراع الواحد أو المصراعين إلى تراكيب متوازية ؛ لأن ( الحركة التركيـــــــــبية في الشعر الكلاسيكي تابعة للثابت العروضي ) (24) الذي يتدخل ليس فقط في عدد التراكيب أو الجمل ، وإنما قد يتدخل – كذلك- في نوعية تلك التراكيب اللغوية ، والشاعر المجيد هو الذي تأتي تراكيبه اللغوية جامعة بين ما يتطلبه الوزن ، وما تستدعيه التجربة
وعمد مطلق في بعض أبياته إلى تشكيل موازنة صوتية بين شطري البيت ، بحيث إذا ما تقابلت دوال الشطرين موقعياً برز هذا التوازن ، الذي عرفه النقاد من قديم ، وأطلقوا عليه اسم التشطير(25) تارة والموازنة تارة أخرى
وقد حدد ابن الأثير الموازنة بأن ( تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن ، وأن يكون صدر البيت وعجزه متساوي الألفاظ وزناً ، وللكلام بذلك حلاوة ورونق ، وسببه الاعتدال ؛ لأنه مطلوب في جميع الأشياء، وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة وقعت من النفس موقع الاستحسان ) (26)
يقول مطلق الثبيتي :
حطـــــــمي قلبـــــي الكبــــير وامقـــــــــتي دمعــــي الغـــزير (27)
نلحظ تقابلاً موقعياً في البيت السابق ، هذا التقابل مشفوع بتوازٍ نحوي يعتمد على ( تقسيم الفقرات بشكل متماثل في الطول والنغمة والتكوين النحوي ) (28) ، وهذا التداخل بين البنية الموقعية والنحوية يجسدهما توازٍٍ صوتي وعروضي ، يؤكد على قيام كل تركيب أو شطر بنفسه ، واستغنائه عن الآخر ، وذلك ما يوضحه الجـــــدول التالي :-
تقابل موقعي حطمي حبي الكبير
و امقتي دمعي الغزير
توازٍ نحوي رابط فعل + فاعل تركيب إضافي
مفعول به + مضاف إليه
نعت
من الجدول السابق نجد تقابلاً موقعياً وتوازياً نحوياً ، وهذا كله يعمل على إبراز القيمة الإيقاعية للتركيب اللغوي في البيت ، والذي أراد أن يدلل فيه على الإحساس بالهوان أمام المحبوبة ؛ التي حطمت آماله وقابلت حبه بالكراهية والجحود , ويقول الشاعر في قصيدة ” عيد في مدريد ” (29)
واليوم منــــــــهم مغاني الربع خالية والكفر يخــــتال والإســــلام مـــوءود
والمجــــد أدبـــــــر والآثــــار باقية والجســــــم مضطرب والفكــــر محدود
قالت تنــــــاسى فإن القـــوم في مرح والبــــاب مقفــــول والمفتــــــاح مفقود
ونلحظ اتفاقاً موقعياً ونحوياً في الأبيات السابقة ، فيما عدا الشطر الأول من البيت الأول والبيت الأخير ؛ حيث تسير بقية الأشطر على النحو التالي :-
تقابل موقعي و الكفر يختال و الإسلام موءود
و المجد أدبر و الأيام باقية
و الجسم مضطرب و الفكر محدود
و الباب مقفول و المفتاح مفقود
توازٍ نحوي
رابط مبتدأ خبر رابط مبتدأ خبر
إن هذا التقابل الموقعي والتوازي النحوي في الأبيات السابقة يسهم في تعميق النسق التركيبي ، أما الاختلاف الذي يقع في الشطر الأول من البيت الأول والبيت الأخير فهو اختلاف يأتي على سبيل المراوحة بين الأنساق المتكررة ؛ لكي يكسر من حدة رتابتها ، حيث إن هذا النمط لابد ( أن يكون متراوحاً ، إذ لو توالى كله لأصبح ثقيلاً ، وانعكس تأثيره ) (30) ، وقد أسهم هذا التقابل الموقعي والتوازي النحوي في إبراز ما أراد الشاعر أن يعبر عنه ، وهو ضياع المجد العربي ، واندثار الحضارة الإسلامية ، وبقاء آثارها في أسبانيا / بلاد الأندلس
وأحياناً يكون التكرار النسقي في البنية الصرفية للكلمة ؛ فيكرر ألفاظاً مختلفة لغوياً ، ولكنها متماثلة صرفياً ؛ يقول مطلق الثبيتي في قصيدته ( ثقوب في خيمة العنكبوت ) (31) :-
ويعبثـــــون ويرســــمون شـــــــــقاءً وبـــــــقاءً بحنــــــــــكةٍ ومهــــــــــارة
يلعـــــــــبون ويخـــرون غــــــــــباءً وريـــــاءً ويلحـــــــــسون الخســـــــــارة
يكرر الشاعر في البيتين السابقين الصيغة الصرفية ( يفعلون ) خمس مرات ( يعبثون – يرسمون – يلعبون - يخسرون – يلحسون ) ، والصيغة الصرفية ( فعال ) أربع مرات ( شقاء- بقاء- غباء- رياء ) والصيغة الصرفية (فعالة ) مرتين ( مهارة – خسارة ) ، هذا التماثل الوزني من طبيعته أن ينتج تناغماً موسيقياً متوازناً للجملة الشعرية تطرب له أذن المتلقي ، كما يسهم في إنتاج الدلالة ؛ حيث أراد الشاعر أن يكشف- من خلال البـــيتين – الحضارة الزائفة في موطن الغربة ، ومظاهر العبث والاستهتار والتردي
تلك هي أنماط التكرار البارزة التي استثمرها مطلق الثبيتي في بناء الخطاب الشعري ، والتي جعل منها وسيلة هامة في إثراء الناتج الدلالي والإيقاعي في النص الشعري ، ولكن هذه الأنماط لا تلغي وجود أنماط أخرى ، ولكن سعى البحث إلى التركيز على الأنماط البارزة التي تُظهر وعياً معقولاً لدى الشاعر في استخدام هذه الظاهرة الأسلوبية ، والإفادة من منجزها في توسيع حدود البنية الدلالية والبنية الإيقاعية في قصيدته وتعميقها
ولاشك أن اتباع الشاعر للعروض الخليلي الشعري ، والذي كان خالصاً في تبعيته ، لاشك أن ذلك قد يصيب البناء الشعري بالرتابة الإيقاعية ؛ نظراً للتماثل الصوتي الناتج عن تكرار وحدات معينة بانتظام ، ولكن مطلق الثبيتي أفلح – كثيراً – في تحاشي هذه الرتابة عن طريق استغلال مجموعة من الظواهر الأسلوبية ، كان التكرار واحدة منها ، مما أسهم في إنتاج دلالة النص ، وحقق ترابطاً نغمياً ، ووحدة وانسجاماً إيقاعياً
الهوامش :-
(1) مطلق الثبيتي ، ديوان أندلسيات ، ط1 ، جدة ، 1417 هـ - 1996م
(2) د/ شفيع السيد ، البحث البلاغي عند العرب تأصيل وتقييم ، 171 ، دار الفكر العربي ، 1987م
(3) د/ عمران خضران الكبيسي ، لغة الشعر المعاصر ، 166، رسالة ماجستير ، دار العلوم ، جامعة القاهرة ، 1979م
(4) د/ علي عشري زايد ، عن بناء القصيدة الحديثة ، 65 ، ط4 ، مكتبة الشباب ، 1995م
(5) عبد الرضا علي ، الإيقاع الداخلي في قصيدة الحرب ، 5 ، بحث مقدم إلى مهرجان إربد العاشر ، 1984م
(6) د0 محمد صابر عبيد ، القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية ، 186، من منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2001
(7) ديوان أندلسيات 41
(8) د0 محمد الهادي الطرابلسي خصائص الأسلوب في الشوقيات ، 55، المجلس الأعلى للثقافة بمصر ، 1996
(9) ديوان أندلسيات ، 103
(10)د/ محمد صابر عبيد ، 189
(11) ديوان أندلسيات ، 23
(12) السابق ، 91
(13) السابق ، 35
(14) السابق ، 80
(15) نازك الملائكة ، قضايا الشعر المعاصر ، 276، دار العلم للملايين
(16) السابق ، 270
(17) ديوان أندلسيات ، 63
(18) السابق ، 23
(19) السابق ، 80
(20) السابق ، 97
(21) السابق ، 125
(22) ابن هشام ، مغني اللبيب مع حاشية الشيخ محمد الأمير ، 2/ 41 ، دار إحياء الكتب العربية
(23)أندلسيات ، 151
(24) د/ كمال أبو ديب ، الأنساق والبنية ، مجلة فصول ، م1 ، ع 4 ،89 ، 1981م
(25)د/ محمد العمري ، تحليل الخطاب الشعري : البنية الصوتية ، 178، الدار العلمية ، الرباط ، ط1 ، 1990م
(26)أبو هلال العسكري ، في الصنـــاعتين ، 463 ، تحقيق مفيد قميحة ، (دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان )
(27)ابن الأثير ، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ، 1/ 272 ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، شركة ومطبعة الحلبي وأولاده بمصر ، 1939م
(28)د/ صلاح فضل بلاغة الخطاب وعلم النص ،عد د/ 164 ، ص 215 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – سلسلة علم المعرفة ، 1992م
(29)د/ صلاح فضل ، مذكرات في علم الأسلوب ، 19 ، مكتب كليوباترا ، القاهرة ، 1988م
(30) ديوان أندلسيات .




التعليقات
#308 Saudi Arabia [سنام]
1.01/5 (13 صوت)

09-11-1434 04:15
التماثل التكراري فالنص الشعري عند مطلق الثبيتي
هذاالعنوان للموضوع منبر المقال.......

مطلق الثبيتي رجل عظيم لن تلدساحة الشعر بمطلق(ن)ثاني.....الله يرحم مطلق وابنه فيصل

[سنام]

#646 [عباس بريك من الجزائر]
1.00/5 (13 صوت)

07-19-1436 08:21
بارك الله فيك دكتورة أحسنت الاختيار وأجدت القراءة واستخلصت الدرر من شعر هذا الفحل.

[عباس بريك من الجزائر]

تقييم
1.01/10 (17 صوت)