الأحد 6 رمضان 1442 / 18 أبريل 2021

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
08-06-1442 02:32
تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 145
أمي في آخر القائمة
أمي في آخر القائمة
* وفاء الطيب
تجاوز الليل الثانية صباحا هادئا ساكنا كعادته معها وعليها ان تنام فالخادمة سوف تطرق بابها في السابعة صباحا وعليها أن تكون أكثر نشاطا وحيوية لمتابعتها في أداء عملها.
هناك الكثير من المهام في قائمتها التي ينبغي أن تتعاون معها في تحضيرها أولها صينية الباشميل التي يحبها محمود و أصابع ورق العنب التي تعشقها سلمى وحبات المحشي التي تحب تزيين مائدتها بها في كل جمعة تضع في أصباقهم الملفوف والباذنجان والكرنب. كم تحب الملفوف وكم فكرت في فتح محل لبيع الملفوف وأصابع العنب في ممشى الهجرة.
رنّ هاتفها وظهر على شاشته اسم أبو ماجد صاحب العقار الذي استأجرت منه المحل في شوران لبيع الملفوف وورق العنب. المهنة التي عرفت معها معنى السعادة. كانت تصر على أن يجرب مذاق طبخها كل من دخل يتفقد بضاعتها. تفتح الأواني واحدا بعد الآخر بثقة فتنتشر رائحة الرز المبهر واللحم وحبات الثوم المطبوخ بعناية.
تعطي العميل شوكة غرستها في حبة ورق عنب وتتأمله في سعادة. لم تكن لتبيع الحبة بريال كباقي المحلات فهي لا تبيعهم طمعا في المال اذ يكفيها رضاهم عن طبخها.
"يكفيك اهدارا لوقتك وصحتك في محل لن يغطي مصروفاته. أنت تخسرين كل ما أنفقته من معاشك في جلب مكسب مستحيل مع كورونا"
تذكرت الأخبار على الوتس أب وتويتر بإغلاق المحلات تجنبا لنقل كورونا للزبائن. أغلقت المحل وجلست في بيتها تنتظر خبرا آخر بالسماح لها بفتح محلها. على الأقل تطمئن على الجدران التي أصرت على طلائها باللون الوردي رغم سخرية محمود من اختيارها. وقفت مع العمال تشير اليهم بوضع الطاولات والكراسي بعناية وقامت بترتيبها في حين قام الكهربائي بتركيب اللمبات داخل الارمسترونج في سقف المحل. كم تتمنى لو أن رساما محترفا يرسم على الجدار عصفورا ينقر حبة بلح على شجرة. ضحكت سلمى من خيالاتها. فما علاقة عصفور ينقر حبة بلح من عذق النخلة بمحل لبيع الملفوف. "أنت لا تقرئين الشعر ولست من متذوقيه هل قرأت يوما قصيدة لبدر بن عبدالمحسن. كفاية عليك جلسات الصخب في المقاهي. لماذا لا تدعيهن الى محلي؟".
صمت سلمى كان كافيا بأن تفهم أن ابنتها انضمت الى فريق المعارضين لفتح المحل. انها حتى لم تكلف نفسها بحضور ليلة افتتاحه.
أضاءت لوحة المحل لذائذ الملفوف الاسم الذي وافقت عليه على مضض فقد كانت تفكر في تسميته باسم من أسماء المدينة. ملفوف الرانوناء او ملفوف طيبة . كانت قد دفعت نصف معاشها على تلك اللوحة التي يقيسها عامل النيونات بالمتر. "متر ونصف يا سيدتي يعادل الفي ريال" دفعت بعدها ستمئة ريال للحصول على ترخيص البلدية للوحة.
"لوحتك جميلة" قالت ذلك احدى الحاضرات وأضافت "خطها جميل أيضا لكن اختيارك للموقع لم يكن موفقا. محلك على شارع رئيسي ولكن المشتري يجد صعوبة في الوصول اليه . لا يوجد مدخل لمحلك دون الالتفاف اليه من الشارع الاخر. أنت بذلك تخسرين الكثير من الزبائن".
لم تخبر زائرتها بأن ايجار المحل كان هو ما دفعها لقبول هذا المحل. باستطاعتها ان تدفع لصاحبه ستة الاف كل ستة اشهر وهذا اقصى ما يمكنها إياه.
عادت بعينيها الى هاتفها ومازال اسم أبو ماجد يلح على شاشته . فكرت ألا ترد عليه لأنها تعرف ما يريد لكن أصابعها سبقتها الى اللون الأخضر.
"يا ام محمود ما يصير كدا .. باقي أغراض في المحل ما شلتيها وعندي زبون جديد." قال ذلك في عصبية
"مهلا يا أبا ماجد. لقد عرضت كل ما في المحل في موقع حراج .والحمدلله بعت الباب ووو بلعت ريقها في ألم واستكملت "لم يبق سوى الكاميرا والديكور والمكيف"
"تبيعين الديكور؟ ليش يا ام محمود ؟ اذا شلتي الديكور السيراميك يخرب "
" انا احتاج فلوس الديكور فقد دفعت فيه ثلاثة الاف لمحل الديكورات.على الأقل أعوض خسارتي"
"وانا من يعوضني عن السيراميك التالف؟. اذا بعتي الديكور راح تحطيلي سيراميك جديد" قالها بحزم
"سيراميك جديد من أجل مسامير على الأرض ؟"
"يا ام محمود ما راح يرضى الزبون الجديد والأرض مخرقة مسامير. يا اما تتركي الديكور او تغيري السيراميك".
يلوى ذراعها كما يفعل كل مرة عندما يتفقد محله وهاهو الآن يجبرها على التخلي عن الديكور.
"طيب يا أبو ماجد سأترك لك الديكور لكن لعلمك انا بعت الباب الخشبي الذي كلفني الفين وسبعمئة ريال وسوف ابيع المكيف والكاميرا"
"ليه ما تخلين الباب والكاميرا ؟"
طرأت ببالها فكرة قد تريح الطرفين. لماذا لا يعرض على المستأجر شراء الباب والكاميرا والمكيف. وبذلك ترتاح من متابعة خردواتها في مواقع حراج ومن بخس الزبائن لبضاعتها.
صاح ابوماجد معترضا فأبعدت سماعة الهاتف قليلا "يا أم محمود بعديني عن هذه المسائل الله يخليكي انا ماني بياع انا صاحب عقار. شيلي بابك ومكيفك هذه اليومين. عندك مهلة لنهاية رجب" .
انهى المكالمة قبل أن تخبره بأن مدة ايجارها تنتهي في شعبان.
رنّ هاتفها مرة أخرى وتحدث اليها صوت نسوي لم تشك لحظة في أنها صاحبة الباب. "تبيعين الباب بألف ومئتين؟ أريده لاستراحتي." كادت أن تقول لها بأن الباب الأنيق كلفها الفين وسبعمئة ريال لكن صوت أبو ماجد والمهلة جعلاها تنطق بنعم.
أرادت أن تعرض عليها شراء اواني العرض والمواقد والشمعات التي تكدست داخل صناديق في صالة بيتها لكنها وجدت نفسها تقول: "هل ترغبين لوازم الطبخ في محلي ؟ انها جديدة لم يمض على شرائها سوى عامين. هي لك ولاستراحتك شرط أن تقدمي لأطفالك طعاما لذيذا ولا بأس في ان ترسلي بصور لهم وهم يتناولون طعامهم في استراحتك"
لم يبق سوى المكيف والكاميرا وان لم تجد مشتريا ستضطر لتركهما هبة للمستأجر الجديد مع الديكور. راقت لها الفكرة لكنها لم ترق لطيور النوم على رأسها فهي تعدهم للألف بعد المليون ولا يخلدون للنوم في اعشاشهم.
سمعت صوت مفتاح الباب الخارجي وجلبة خفيفة فقامت من نومها تتجه نحو الباب تتفقد الداخل فهو اما سلمى التي تركت لها مفتاح البيت فالضغط الذي أصابها قد لا يمهلها يوما اخر خاصة وانه قد تجاوز المألوف الى المئة والتسعين ، وربما هو محمود الذي عاد من ماتش الكرة مع أصدقائه وسيترك لها حذاءه وجواربه المتسخة على الباب ويخلد للنوم.
"اهلا محمود. هل أحضرت لي ماء البئر. يقولون انها مياهه صحيه ومباركة"
ضرب محمود بيده على جبينه وهو يتجه الى غرفته :" يوووه يا امي سامحيني والله والله ورب الكعبة نسيت".
لم يكن في حاجة لكل هذا القسم ، تعلم انه نسي ماء البئر ودواء الضغط وأكل القط .
دخلت تتوضأ لصلاة الفجر الذي نبهها إلى أن الليل مضى إلى طريقه وأن عليها أن تتهيأ لموعد قدوم الخادمة في السابعة . جهزت حبة الملفوف ونقعت اوراقها في الماء الساخن ووضعت شيئا من مبشور البصل والثوم على اللحم المفروم وسألت الله في سرها ان يطيب لهم طعمها.

الساعة الآن الواحدة بعد الظهر ومازال محمود يغط في نومه وسلمى لا تجيب على هاتفها.

* كاتبة سعودية




تقييم
10.00/10 (1 صوت)