الثلاثاء 12 صفر 1442 / 29 سبتمبر 2020

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
08-09-1441 04:34
تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 789
قراءة لنص الحميدي الشهير ( شمس أبجدية ) للدكتور محمد الرفيدي
بيوت حارتنا ، علب سردين ، تشبيهات فيها من الإيجاز ما يؤكد حالة القروي ، الذي لم يزل أسيراً لتلك القرية
قراءة لنص الحميدي الشهير ( شمس أبجدية ) للدكتور محمد الرفيدي
قراءة د. محمد الرفيدي
قراءة لنص الحميدي الشهير ( شمس أبجدية )
لا أعلم ، إن كان تكهّني في محلّه ؟ أم لا ؟
لكن المؤكد ، أنني حينما قرأت هذا النص للشاعر المتفرّد - حقيقة - الحميدي الثقفي ، والذي لا يخالجني شك في أنه أحد المتربعين على قمة الهرم الشعري /العامي خليجياً ، وإن تجاوزت وقلت : عبر خارطة الوطن العربي ، فإنني لا أُبعِد النجعة كثيراً ..
والذي يعنيني هنا ، أن الحميدي رغم قلة نتاجه الشعري ، لكنّه يظهر دوماً في الوقت المناسب ، أو قد يمكنني القول : بأنه يشبه كثيراً في حضوره ذلك الفنّان ، الذي تتوق الأسماع لجديده ، وجمهوره - في كل الأحوال - تلتحفهم الدهشة نتاج سماعهم - فقط - نبأ صدور شريطه الجديد في الأسواق ، فحال الحميدي مع جمهوره تماماً كحال ذلك الفنان ، إذ لا يمكن أن نقرأ له نصاً لا يدهشنا ، وهو في كل مرة يسوق لنا الجديد من أفكاره الشعرية ، وقد يصدمنا في بعض الأحايين ؛ جراء جرأته المعهودة ، وهي جرأة قلما تجدها عند شاعر آخر ، والأمر لا يتوقف في هذا عند ضعف الشعراء الآخرين ، أو عدم مقدرتهم على كسر حاجز المعتاد ، أبداً ، لكنهم يتقيّدون بما يرونه ثابتاً ، في حين لا يرى الحميدي أن الثوابت مانعة من دخول أي معترك شعري ، وربما كانت الثوابت في نظره نسبية ، فهو بهذا يتمغنط في أتون الفكره بسيل من الألفاظ المستعصية على كل القوانين .
ونصوص الحميدي الممتعة أكثر من أن تُحصى ..
وهي علامة فارقة في المشهد الشعري /العامي ، بل يمكن القول إن تاريخ النص العامي خليجياً يقف عندها ، تاركاً كثيراً من علامات الاستفهام الدالة على ولادة الجديد ..
ويمكن وصف الحميدي بأنه الشاعر القادر على تركيع الفكرة ، بشكل لا يمكن العثور عليه لدى الشعراء الآخرين ، فأقرانه ، ومن كان قبله ، ومن جاء بعده ، قد نلحظ في نتاجهم كثيراً من الفوارق ، بين نص جامح ، ونص طامح ، إلا الحميدي ، فهو الوحيد الذي لا يمكن أن يكون نتاجه إلا ذو ملامح واضحة ، وفي كل نصوصه يمكن التعرف عليه من خلالها ، وكأنه يحدثك عن نفسه في كل نص بقوله : ها أنا ذا مع كل قصيدة ، ألبس حُلة جديدة ..!!
ومن النصوص التي كانت فارقة في المشهد الشعري ( شمس أبجدية ) ، ذلك النص الذي لا يمكن الحديث عن التجديد في الشعر العامي ( وحركته التي كانت خلال منتصف الثمانينات حتى نهاية التسعينات تقريبا ) دون التعرض لهذا النص والكلام حوله ..
ومع أن هذا النص لم يحظ بكثير من القراءة ، شأنه في هذا شأن غالبية نصوص الحميدي ، وأزعم أن النقاد يتخوفون من الاقتراب حول نصوص هذا الشاعر ؛ لسببين :
الأول : أن بعضها قد يكون موغلا في الرمزية ، وهو ما يضع الناقد في ورطة التكهن حول : ماذا يريد الشاعر بالضبط ؟
الثاني : أن الحميدي ، عوضاً عن كونه شاعر نظم من الطراز الفخم ، هو أيضاً شاعر محاورة ، وبناء عليه فقد يتكئ على معنى مسلّم به لدى شعراء المحاورة ، في حين يخفى مثل هذا المعنى على الناقد الغير متابع لساحة المحاورة .
في نص الحميدي هذا ، استنطاق لعدة أشياء ، وأنسنة لأشياء أخرى ..
الوحيد ، الذي يمكن اعتباره تقليداً في هذا النص ( وجود المخاطَب ) الذي هو ( الصاحب ) ..!!
غير أن الحميدي تعامل مع هذا المخاطَب بآلية تختلف تماماً عما يتعامل به بعض الشعراء مع مخاطبيهم ، في نصوصهم .
فآلية التخاطب هنا جديدة ، إذ لم تكن مباشرة – كما يحدث في كل نص – بل جاءت على هيئة ( تخص الحميدي وحده ) .
ومع ذلك ، كان الحميدي مترددا / متخوفا / مرتابا من إلقاء السؤال عليه ..!!
أبا أسألك - صاحبي - خايف / ومتردد / ومرتاب
ثم ، عندما يكسر حاجز هذا التردد ، وذلك الخوف ، والارتياب ، يستأذنه ( وكأنه لم يزل يتملكه هذا التردد وذلك الخوف والارتياب ) ..
أبا أسألك - صاحبي - واقسى ، كما يقسون الاحباب .
أبا أسألك عن ملامح طفل في القرى غاب
أبا أسألك -صاحبي- غمّض عليها جفن واهداب
وبعد كثير من الاستفهامات التي يحاول الحميدي وضعها بين يدي صاحبه ؛ لعله يجد لديه الإجابة الشافية ، ولا أظنه فعل ، فقد تركها تدور حول نفسها في فلك النص ، الأمر الذي جعل الشاعر ، يستفهم - بحرقة - :
عرفتني ؟ كنت أنا صاحبك .. واصحابك لي أصحاب
الحقيقة ، أن ماجعل هذا النص متميزاً أكثر ، *ليس كمية المفردات المشحونة فيه بطريقة ذكية ، وليس حبكة المعنى المتولدة عن تجربة ثرية ، وليس البحر الطويل ، الذي عام فيه الشاعر بأسلوب المحترف ..
أبداً ، بل ماجعله متميزاً أكثر هو عدم وجود المنافس لهذا النص في تلك الفترة التي تم نشره فيها .
نعود للنص ..
فنقول : هناك ما يمكن القول بأن الحميدي تجاوز -أيضاً - على صعيد اللغة ، وهو ما ميّزه ، دوناً عن غيره ، وأنا قد ذكرت في غير ما موضع : أن الحميدي من الشعراء القلائل ، الذين استوعبوا سر التجديد ، وسبروا أغواره ، ولم يركبوا الموجة اعتباطاً ، كما فعل بعض الشعراء ، بل ربما لن أتجاوز لو قلت : بأنه الوحيد الذي فهم سر الخلطة التي تركّبت منها تلك الموضة الشعرية .
والشعراء في واقع الحال كانوا خلال تلك المرحلة على ثلاثة أقسام :
1- قسم لجأ إلى التكنيك ، والبحث عن المفردة البراقة ، ظناً منه أن نسبة التركيز سيكون عليها ، وأنها المعوّل ، فنقرأ له نصاً مدهشاً / صادماً ، لكن لا نشعر معه بحرارة التجاوب ، وقد قيل : ( إذا الشعر لم يهززك عند سماعه ) .
2 - قسم تقليدي ، لم يسترعه هذا الاتجاه ، وقرر السير حسب رغبة المتلقي ، وربما ظفر بجمهور لم يُخَيب ظنه كثيرا ، ولازال كثير منهم على قيد الشعر .
3- قسم وُفّق في الجمع بين الاتجاهين ، وهي الصنعة التي كان الشعراء بحاجة إليها ، وذاك ما فعله الحميدي في نصوصه كلها ( تقريبا ) .
اللوحة التي رسم الحميدي بها تلك المدينة في نصه هذا ، كانت كالتالي :
1- الطريق : أفعى ، تفحّ .
2- الليل : غابة .
3- الشارع الصمت : نهر أسود .
4- بيوت حارتنا : علب سردين .
تشبيهات فيها من الإيجاز ما يؤكد حالة القروي ، الذي لم يزل أسيراً لتلك القرية ، القرية التي لم ينفك يعود بذاكرته إليها ، حتى وهو أسير لـ ( علب السردين ) التي ذكر عند وصفه لبيوت المدينة/ الحارة .
و ( علب السردين ) قد تكون العبارة الوحيدة التي تناسب بيوت الحارة ، من حيث ملاءمتها لواقع الحي المدني ، لكن كون الليل في هذه المدينة ( غابة ) و الطريق ( أفعى ) والشارع ( نهر ) فهذه مقومات القرية ، التي ظل الحميدي أسيراً لها ، حتى وهو محاصر بين ( علب السردين ) .
ثم عاد ليرسم القرى ، بطريقته الأخّاذة ، التي يمكن القول بأنها لعبته المعتادة ، فكان مما صوّر بأن *:
1- القرى : أجهشت في البلاد رعوش الاعناب .
2- الماء : تقول بكظايمها زبرجد في المدى راب
3- العشب : مجدول بخيوط الصباحات الندية .
4- صبح القرى : له وشوشات الماء نديّة
والحميدي حينما يتحدث عن القرية ، يؤنسنها ، فهو يجعلها مرة ( تجهش ) لكن ليس بالبكاء ، بل بـ ( رعوش الاعناب ) .
ومرة يجعل لـصبحها ( وشوشات ) لكن هذه الوشوشات للماء الذي ينساب بين جداولها .
هذا عدا ما يمكن قوله بأن هذا النص يتكئ على لآلئ من العبارات التشبيهية ، التي تكفل له بأن يكون في مقدمة النصوص العامية ، إن لم يكن له قصب السبق ، ومن ذلك :
ظلمة / وطين / وبلل / وعظام ناس أموات - حية
وللقارئ أن يتخيل فداحة المغامرة والمشي بين كل هذه المحسوسات المخيفة ، إذا ما أضفنا لها :
الطريق الذي يشبه ( أفعى تفح ) و ( أعشاب معتمة ) كناية عن تزاحم بعضها لبعض ..!!!
والحميدي لم يضع كل هذه الأشباح بين أيدينا ، دون أن يصف لنا حاله معها ، فبعد أن أضاف بأن ( الليل : غابة ) وهذا التشبيه معاكس للمعهود ، فبدلاً من قوله ( الغابة كالليل ) وهو الأصل ، أتى بما يخالف هذا المعهود ، كناية عن عظم سواد الليل .
كل ذلك ليصف لنا تلك الحالة المهيبة التي تملكته ، حيث قال :
( نبض أنفاس صدري : فاس حطّاب )
أنا على يقين أن 90٪ من الشعراء لو وُضِعوا بنفس الظروف التي كتب الحميدي خلالها هذا النص ، فلن يستطيعوا التقاط صورة كهذه ..!!!
كذلك ، تشبيهه للشارع ، الذي كنّاه بالصمت ، بأنه ( نهر أسود من المطاط جلباب ) لم يكتف بما يمكن اعتباره نصف الصورة ، بل أكمل بقوله :
( يشرب صدى خطوة العابر / ملامح سرمدية ) ..!!
كان بإمكانه أن يقف عند حد :
( الشارع الصمت يشرب صدى خطوة العابر ) والصورة تكتمل بهذا القدر من الألفاظ ، لكنه يزحزح الكلمات عن بعضها ، ويولّد من الصورة الواحدة أكثر من صورة ، تحيل المعنى المباشر إلى معنى غير مباشر ، وربما *مغاير .
ثم إن الحميدي في هذا النص ، يلعب على فن الكلمة ونقيضها ؛ ليؤكد ما يذهب إليه من معنى في نهاية المطاف ، تماماً كما يقول :
لو للغموض المبيّن ..وللبيان الغامض : كتاب
ما احدن بقى لي عليه .. ولا بقى لـ احدن عليّه
هذا اللعب بالألفاظ ليس اعتباطاً من الشاعر ، بقدر ماهو إثبات لنظرية يريد إثباتها .
هذا خلاف مجموعة الاستفهات والتعجّبات ، *التي تترك فضاءات النص مفتوحاً باتجاه أسئلة أكثر حيرة من تلك الحيرة التي تملكت كاتب النص نفسه :
ترى التعدّي لغير أول قرابينك : زريّة
الناس من غير تلقي بال : تلقي بالتحية
كم من سؤال يموت / وينولد / ويموت فِيّه
وجهك هو القاتل / المقتول .. من فيك الضحيّة
مايمكن اسم الورود اشواك .. واسم الشوك فَيّة
أمدّ لمصافحك يدّي .. تصافحني يديّه
غيّبت ؟ والا القرى ياطفل : غابت فيك هِيّه
ومع كل ما سلف ، يظل هذا النص مفتوحاً ، حتى إشعاراً آخر .
*
*




تقييم
6.62/10 (11 صوت)