السبت 23 جمادى الأول 1441 / 18 يناير 2020

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
04-29-1441 04:34
تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 660
" موت صغير "
* سعود الصاعدي
مع أن ميولي أقرب إلى النقد بحكم ما بينه وبين البلاغة من التلازم المعرفي إلا أني أنجذب في معرض الكتاب والقراءة الحرة لكتب الفلسفة والسرد.

الفلسفة تمتعني بأسئلتها ومعالجتها، وتطبيبها النفسي العميق خصوصا تلك الأفكار الإيجابية في فهم الحياة والتعايش معها، والسرد يأخذني إلى أماكن قصية من العالم، يربّت على حزني وقلقي وخوفي، يأخذني من عالم الواقع إلى عالم المتخيل، يفتح لي قوة في ذاكرة الزمن الموازي فأدلف بي مختبئا عن السأم الذي يحيط بالحياة من كل جانب.
قبل أيام المعرض مثلا، كنت منهمكا في قراءة رواية"موت صغير" لمحمد حسن علوان. قضيت معها عزلة قرائية أشبه بعزلة متصوف يحاول فتح دروب جديدة في مسارب ذاته، ويعلم الله كم آنستني الرحلات المتنقلة مع ابن عربي، برغم إشكاليته في الواقع التاريخي على الأقل بالنسبة لي، مع عمق لا أنكره في التلقّي والتأويل، وكم شعرت بالطمأنينة الغامرة في بعض تأملاته التي هي بالطبع جوهر تفكيره، وإن كانت بأسلوب الكاتب الروائي، خصوصا تلك التأملات التي تتعلق بالطرق المتعددة إلى الله، تلك التي ذكر أحد المتصوفة أنها بعدد أنفاس الخلائق، وهذه تحديدا تفتح لك أفق أمل عريض في أن تبذر كل أحبابك وتلقيهم في الخلاء الواسع لتجدهم لاحقا على خير ما تحب لهم ويحبّون، بشرط أن تؤمن بحوهر هذه العبارة، أي أن كل طرقك لابد أن تؤدي بك إلى الله، أما حين تفقد هذه الغاية فلا سرد ولا فلسفة يمكن أن تجد لها ذلك المذاق الروحي المطمئن الذي تجده وأنت تقرأ آية من القرآن تسافر بك إلى أبعد مدى في الكون وتسري بك في مدارجه ومعارجه الشاسعة المشعة.
مؤمن كل الإيمان أن القراءة فعل تعبّدي حين نؤديه بحقه، حتى لو كان المقروء رواية أو كتابا فلسفيا ما دمتَ تقرأ باسم ربّك الذي خلق، ما دمت تصطحب معك رؤية صحيحة عن العالم هي أصل ما أسمّيه بمتن المعرفة، في أوّل التنزيل:
{اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم}، وحينئذ ستشعر أن كل صفحة، في كل سِفْر، بوابة كبيرة تفتح على عوالم رحبة من هذا الكون الفسيح، ولن تذهب بك القراءة، أيًّا كان نوع المقروء، إلا إلى الله.

* كاتب سعودي




تقييم
10.00/10 (2 صوت)