الأحد 5 شعبان 1441 / 29 مارس 2020

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
03-01-1441 03:42
تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 335
الجيل الرقمي .. فارق الزر والمسافة
الجيل الرقمي .. فارق الزر والمسافة
د.سعود الصاعدي
أول ما تعرّف جيلنا على الكوريين كان من خلال شركة رِدْك التي رسا عليها مشروع سفلتة الأحياء الشعبية في ذلك الوقت. دخلت الشركة حيّنا بعمالها، وكان من أبرزهم عامل وسيم اسمه رحمة، كان يقود الجرافة العملاقة، وكنا نغار منه على الفتيات اللائي كنا في ذلك الوقت ينشدن في شارع الحي: عنب المدينة يا عنّابي، على حذو أطفال المدينة في فوازير رمضان، ولم يكن يخطر في بالنا أن قدر الكوريين سيرافقنا ليكونوا أيقونة وعتبة للتحولات من الجيل الترابي إلى الجيل الإسفلتي، واليوم من الجيل الورقي إلى الجيل الرقمي، غير أن الفارق بين الأمس واليوم هو أن تحولات الأمس كانت في إطار التغيير الطبيعي للجسد الاجتماعي فلم تكن ثمة طفرات ولا قفزات كبرى تهتز معها الثوابت والمسلمات الغائرة في الأعماق، كما أننا بالأمس كنا غير منفتحين على صراع الرؤى والتصورات الكبرى التي قد يحدث بسببها تغير في موقف الإنسان من الكون والوجود والقيم العليا.
من هذا المنطلق يمكن القول إن التحولات اليوم، رغم أنها سنة حياة وضرورة حضارة حين تؤخذ بوعي وشروط تحافظ على الهوية، ليست مجرد طلاء أسود لشارع شعبي أو حتى مجرد حضور لفرقة موسيقية هي في بنيتها التجريدية فرقة شيلات كورية على غرار" أخذ حقه بدقّ خشوم" وإن كان الكوريون لا يراهنون مثلنا على خشومهم ولا علاقة لهم بدق خشوم خصومهم كما يحدث بيننا في عراكاتنا الاجتماعية والثقافية التي تقود مشهدنا اليوم، إلا أنهم بأدائهم يرتكزون على ما يسمّى بشعور الصدمة، لكنهم في الواقع يمثلون من خلال جمهورهم من الجيل الجديد معيارا على التحول الاجتماعي والثقافي الذي هو أبعد من شعور سريع الانفعال سريع الزوال باعتباره خارج ما يسمى بالإنسان الوجداني العميق في تلقّيه وتفاعله مع كائنات العالم الخارجي.
ومن هنا ندرك مدى خطورة الأمر في التحول الجديد، فهو تحول على مستوى البنية الثقافية وقد يفضي في المستقبل إلى تغير في التصور ورؤية العالم والموقف من الوجود مالم نعزز انتماءنا لثقافتنا العربية والإسلامية، وهذا هو ما ينبغي أن يوضع في عين الاعتبار، وهو مسؤولية الأسرة قبل المؤسسات الحكومية، فلابد في هذا السياق الاجتماعي الجديد من ترسيخ التصورات في نفوس الجيل القادم، وعدم الغفلة عن أن الأمر خرج من حوار الفقه إلى حوار الفلسفة، أي من حوار المذاهب والجماعات إلى حوار الرؤى الكبرى والتصورات.
وإن كنا بالأمس تأثرنا من باب الإعجاب العابر بسحر شخصية الكوري رحمة، أو لعلنا خلطنا في الأمر فلم ندري هل انجذابنا كان إلى شخصيته؟ أم إلى جرافته التي كان يقودها باقتدار؟. إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لنا؛ فالجيل الجديد لا يعني له الحدث كما كان يعني لنا في السابق مجرد عمال شركة يحفرون ويدفنون، ففرقة bts الكورية غير شركة ردك، لأنها تحضر اليوم علامة على دخول ثقافة فلكلورية جديدة قد تزيح ثقافتنا المحلية والدينية في المستقبل وتضع مكانها تصورا جديدا ورؤية جديدة للعالم يفتقد معها الجيل أعز ما ينبغي أن يملكه من ثقافة مبنية على أساس من دين صحيح وتصور ورؤية للكون والحياة هو التصور الإسلامي الرحب الذي لانشك أنه الأصلح للناس أجمعين، ولعله من الفارق المهم بيننا، في جيلنا السابق، والجيل الرقمي الذي نبت على التغذية المعرفية التقنية سريعة التحضير كوجباته السريعة، أننا كنا ننظر لعمال الشركة الكورية بشيء من الازدراء بسبب اعتقادنا أن طعامهم الوحيد كان لحم الكلاب، وكنا وقتها نتقزز منهم باعتبارهم أقرب إلى كلابهم من الآدمية، وهذا الشعور منحنا حصانة من الهرولة وراء رحمة العامل الكوري، فكان هو ورفاقه لا يتجاوزون في نظرنا أن يكونوا عمالا عابرين لا يتركون أثرا في أعماقنا، أما جيل التقنية الجديد فيرى كل وافد من ثقافة أخرى أقرب منه إلى الإنسانية وأسبق إلى المعرفة وهذا الشعور قد يجعله مسلوب الإرادة حين يتعلق الأمر - مستقبلا- بتحديد المصير والموقف من العالم وتحقيق الذات، وقد رأينا كيف أن كبارا وقعوا في الاستلاب وهم قد غذوا من قبل بالثقافة صغارا، فكيف بمن بدأ منذ نعومة أظفاره يغتذي على الثقافة السريعة الهشة التي لا توغل عميقا في الوجدان؟.
قد يعتقد من يقرأ هذا الكلام أني مبالغ في الأمر، والحق أني لم أزد على أن أعدت ما قيل من مفكرين كبار لم يكونوا يهملون أدنى سبب يشير إلى خطر يهدد الرؤية الكلية للوجود والتصور للعالم حتى على مستوى التعبير بالمجاز، فكيف حين يتعلق الأمر بالثقافة الشعبية بالمعنى الانثربولوجي من طريق الفنون والفلكلور التي تعكس الخصوصية الثقافية لكل أمة، فضلا عن ثوابت وقيم الثقافة الإسلامية التي هي أساس الهوية والمصير مما لا ينبغي التساهل في حمايته ورعايته سواء من الأسرة أو من المؤسسات التي ترعاها الدولة، وحسب المرء ليدرك أهمية هذا الأمر أن يلحظ السخرية المكرورة في مواقع التواصل التي تطبع شعور هذا الجيل التقني تجاه قضايا الدين الكبرى وتجاه النصوص الشرعية الواضحة بما يدل على هشاشة التكوين الديني والثقافي للجيل الرقمي الفارغ إلا من مصطلحات التقنية وأسماء المطربين في أنحاء العالم ومطاردة الموضات العالمية في سوق السوشل ميديا.
أخيرا .. لست ضد التنوع الاجتماعي الخلاق الذي يتيح لنا أن نكون مجتمعا حيويا يختلف بوعي وتنتظمه مسارات فكرية وثقافية مختلفة، فالعقل لا ينتج إلا في البيئات المختلفة المتنوعة، والنشاط الإنساني بطبيعته قائم على شعرية الاختلاف إن صحت التسمية، لكن الاختلاف الموتلف الذي يؤدي إلى تماسك الرؤية وثبات القيم الكبرى والتصور الكوني الذي هو أساس الوجود والهوية في تلاقح الثقافات وصناعة الحضارات.

* كاتب سعودي




تقييم
10.00/10 (1 صوت)