الأربعاء 25 جمادى الثاني 1441 / 19 فبراير 2020

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
05-28-1440 06:20
تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 521
المنهج التربوي
المنهج التربوي
* سارة خالد
فترة الطفولة هي أكثر المراحل تأثيرًا على حياة الإنسان، لأنها فترة نشأته، والبيئة الأكثر تأثيرًا عليه هي البيئة الدراسية، برفقة زملائه وتحت إرشادات معلميه، وهذه البيئة تؤثر بشكل أساسي على أخلاقه فتطورها أو تدهورها، لذا ينبغي الحرص على تعليمه الأخلاق الحميدة مبكرًا، فللأخلاق تأثير كبير على المجتمع، كلما تمسكت نسبة*أكبر من المجتمع بالأخلاق سار العمل بشكل أفضل في الدوائر الحكومية، ووفرنا الوقت، ووفرنا المال، وحصلنا على منتجات أجود، وخدمة أحسن، وساد سلام أكبر، وكثر الناس المخلصون تجاه مسؤولياتهم… إلخ. يستحيل حصولنا على مجتمع مثالي يخلو من الأخطاء والشرور، فالحياة مفطورة على عدم الكمال، لكن تحسين الحال ممكن.
لا تنحصر فائدة الأخلاق على المجتمع الواحد فقط بل تنتشر انتشار العدوى إلى المجتمعات الأخرى، وتتغلغل بين الأفراد في تعاملهم الشخصي بينهم البعض وتشمل منفعته العالم أجمعه بما فيه من مخلوقات وعمران وغيرها، فبالأخلاق الحسنة كل شيء يصبح مصانًا أكثر مما سبق. وإن أردنا الحصول على ذلك علينا أن نقر منهجًا تربويًّا مستقلًّا في مدارسنا، فلا يكفي الطفل أمثلة قصيرة تربوية في كتاب الرياضيات – على سبيل المثال – قد لا يركز عليها المعلم حرصًا على إيصال المعلومة الرياضية.. لابد من إقرار منهج تربوي مستقل يعمم على جميع المراحل الدراسية بما يناسبها.
إن المنهج التربوي لا يقل أهمية عن المناهج الأخرى في المدارس، الأخلاق لا تقل أهمية عن الدين واللغة الأم، فهوية الإنسان تتمثل أولًا في لغته وتوجهه الديني، واللغة مظهر حضاري، ولا نستطيع إطلاق كلمة حضارة إلا على شعب له أخلاق وقيم، كما أن الدين الخلق، لذا فالأخلاق هي – في اعتقادي – أهم ما يمثل هوية الفرد، ويأتي بعده تباعًا كلا من اللغة والدين.
وأهمية المنهج التربوي في حياة الفرد تكمن في مرافقته له طوال مراحله التعليمية حتى يقوى أساسه الخُلُقي ويسمو فكره ويستقيم دينه ويستوي سلوكه، فحين يبدأ الطفل في الصف الأول الابتدائي بالتعرف على أساسيات التعامل مع الناس لا يكفيه ذلك لمدة حصة واحدة في أسبوع واحد من شهر واحد من سنته الكاملة، بل لابد وأن ترسخ هذه التعليمات في ذهنه، وتلازم فكره وسلوكه حتى يشب، لابد وأن توضّح أهمية التزامه بالأخلاق الحميدة وحفاظه على قيمه في شتى مجالات حياته، ولن يتم هذا الشيء ما دام التركيز يستمر على التعليمات والإرشادات الأخرى وتهمش التربية تدريجيًّا.
قد يرى البعض أن منهج السلوك والتربية يكفي لأن يكون في الفترة المرنة، فترة الطفولة، لأنها حجر الأساس، لأن ما يتعلمه الطفل في الصغر سيبقى كالنقش على الحجر، ولكني أخالفهم الرأي، فاليوم نجد كبار السن لا يترددون في تهذيب أنفسهم أكثر بعد سماع مقطع تربوي، أو قراءة مقال تنموي، أو عند تذكيرهم بحديث للرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقيات القرآن الكريم، أي أن التربية الأخلاقية لا تنحصر في زمن معين أو عمر معين، بل لابد وأن تكون أسلوب حياة وتذكرة دائمة خاصة في أول عقدين من عمر الإنسان.
إن التقدم الحضاري الذي نشهده في بلادنا، والرؤية الجديدة المؤسسة لعهد جديد، هذا التقدم الشامل للعمران والعلم والتقنية والسياحة والترفيه والسياسة والاقتصاد، لابد وأن يواكبه تقدم فكري، والتقدم الفكري لا يكون إلا على أساسٍ خُلُقي متين، فالدولة تضم شعبًا، والشعب عدة جماعات، والجماعة تكونها الأفراد، والفرد الواحد منا إن لم يتقدم فلن تتقدم الدولة بأكملها، وتقدم الفرد الواحد لا يكون إلا بتطور فكره، ثم نعود ونرى أول نقطة مؤثرة في فكر الفرد لنجدها ” أخلاقه “.
لا يعتدل سلوك الفرد مع الآخرين ولا يستقيم دينه فيتحلى بالأمانة ويحافظ على احترامه لذاته ويكون ممتنًّا لكل شيء وشاكرًا على كل النعم ومقدرًا للتعامل الطيب إلا إن حسُنَ خلقه.
نحن اليوم في العام 2019 يفصلنا عن عام الرؤية 11 عامًا، وستمضي سريعًا. أطفال الروضة اليوم سيلتحقون بالمدرسة الابتدائية في العام المقبل، ما المانع من أن تشمل دراستهم مناهج تربوية أخلاقية على مدى 10 أعوام حتى يتخرجوا من المرحلة الثانوية بعد عام الرؤية وقد نشأوا على سراط خلقي مستقيم، على الأقل يربَّون على التعامل مع الناس أمثالهم بإحسان. إن التركيز على حسن التعامل مع الناس وحده كفيل بتربية الفرد الواحد من كل النواحي الأخرى.
رسول الله محمد -على سبيل المثال- نُقلت عنه أحاديث تربط إيمان الإنسان بأخلاقه مع المجتمع، فلا يؤمن أحدنا بالله ما لم يكف الأذى عن جاره، ويكرم ضيفه، ويهذب لسانه فلا يغتاب ولا ينم، وأحاديث ربطت الصدقة بإماطة الأذى عن الطريق، وبالكلمة الطيبة، وبالتبسم، وأحاديث تحث على الأمانة وترك الغش، وتحث على الترابط والتواد والتراحم، وتقترح علينا سبلًا لذلك كإفشاء السلام والتهادي، وأحاديث تلقّننا أهم درس اجتماعي على مدى التاريخ، أن لا فرق بين البشر إلا بالتقوى. والله تعالى في محكم كتابه أوصى أسمى عباده خُلُقًا بألا ينهر السائل وآلا يقهر اليتيم، وأوصانا بالإحسان للجميع بدءًا بالوالدين، وبأن نحكم بالعدل ولا نتجسس ولا نغتاب، وبأن نترك الدين لأصحابه ولنا دين، وبأن نترك الظن ما دمنا نتقيه سبحانه.
فمن لم يكن يؤمن إلا بالقرآن مصدرًا سيرى الأخلاق منتشرة في آياته، ومن يؤمن بما جاء في السنة سيرى الأخلاق في الأحاديث الصحيحة والموضوعة والحسنة والضعيفة، ومن اهتم بالإسرائيليات وجد الأخلاق فيها، ومن قرأ الإنجيل وجده لا يخلو من تعاليم الأخلاق، وحتى الأديان الوثنية كالهندوسية تلقن ذويها التعاليم ذاتها، وإن دل ذلك على شيء فهو أن الأخلاق هي أساس كل شيء.
إننا لا نستطيع محاسبة الإنسان الذي لم تصله رسائل دينية، الإنسان الذي نشأ في كهف أو قضى عمره في الغابات الإفريقية والأمريكية، لا يُحاسب على شركه أو عدم التزامه بشيء لم يصله يومًا، لا يمكننا لومه على جهله لأنه غير متعلم، وغير متحضر فكريًّا، لكننا نستطيع مقارنته بإنسان بدائي آخر بناءً على الأخلاق، الأخلاق وحدها تنقل الشعوب من مرحلة بربرية إلى مرحلة حضارية، فالحضارة تستند أولًا على الخلق، على تعامل الفرد مع الآخرين، والثقافة صفة لا تطلق على من كان علّامة بلا أخلاق، إن الأخلاق أهم من أي سمة إنسانية أخرى، تتلو العقل فورًا وترتبط به، ودونها لا يمكننا أن نصنف شيء إلى إنساني وغير إنساني.
الأخلاق وحدها أهم من كل شيء لأن الذي لم يصله دين حتمًا يتبع قيمًا معينة وضعها لنفسه أو اتبع آباءه وأجداده فيها.
من هنا أصر على أهمية وجود منهج دراسي تربوي في المراحل الدنيا جميعها ( الإبتدائية والمتوسطة والثانوية ) يعلم الطالب المواطن الإنسان كيفية التعامل مع الفرد الآخر بإنسانية وإحسان.
كل شيء يرتكز على أخلاقنا مع الآخرين، يقول تولستوي إن الدين الحقيقي لابد وأن يستند على مبدأ عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، ونعلم أن من شب على شيء شاب عليه، وأن التعلم في الصغر -التعلم الحقيقي في الصغر- كالنقش على الحجر، فلمَ لا نعلم الطفل كيف ينظر -مجرد النظر- للطفل الآخر المختلف عنه لونًا ولغةً ولكنةً، والمختلف عنه بنطق الأحرف، والمختلف عنه بشكله، والمصاب بطفرة خلقية أو بمرض أو إعاقة… أليس من الضروري أن يربى على منهج ينهيه عن التنمر بلا تأمّر ؟ جميعنا ندرك أن الطفل والمراهق كلامهما يرفض تطبيق ما يجيء بصيغة الأمر، مما يعني ضرورة تربيتهم بطريقة تضمن التزامهم بالتعاليم، بطريقة مقنعة، بطريقة لينة، بطريقة قوية التأثير لا قوية اللهجة.
أرى أن الطريقة الأنسب لتربية طفل ما على خلق هي توضيح الفرق بين الأمور وتفسير أسبابها وتطبيق التعاليم بشكل مباشر عملي يؤثر عليه فيمارسه بشكل دائم داخل المدرسة وخارجها، الأسس البدائية مهمة، فإنك لا تستطيع تعليم الإنسان كيف يفك جذرًا دون أن تعلّمه جدول الضرب، ولا تستطيع تعليمه نظرية فيثاغورس دون أن يتعلم الجمع، ولا يمكن له أن يحسب نسب الاحتمالات ما لم يتعلم العد.
ولكي تعلّم الطفل كيفية التعامل مع الآخرين دون تفرقة بينهم، ولكي تمنعه من التنمر، لابد وأن تساعده على إدراك الفرق بين الإعاقة والمرض والفرق بين المرض والمتلازمة، وما إذا كانت المتلازمة إعاقة، ولابد أن يتعود على معاشرة الكفيف والأصم والأبكم، وغيرهم، بالاختلاط بهم في الفعاليات الخيرية وفعاليات الطفل وبممارسة نشاطات ترفيهية في مراكزهم خلال رحلات مدرسية، فالاعتياد على ذلك يحفظ كرامة الآخرين، يؤمن للأبناء بيئة إنسانية لا تجبر الوالدين على عزل أبنائهم حتى لا يواجهوا التنمر، وتحفظ المختلف بيننا من الإحساس بالغربة عندما يلتحق أخيرًا بمجتمع كبير في الجامعة أو في ميادين العمل، تمنع الشباب من النظر إلى الشبان المختلفين بطريقة تشعرهم بأنهم كائنات غريبة تعزز بداخلهم الخجل من الظهور ثم الخوف من التنمر ثم كره الذات ثم تدمير المستقبل وعدم الحصول على فرص عادلة في مجالات الدراسة والعمل.
لا يستطيع الإنسان الحق منا أن ينكر أهمية تعلم لغة الإشارة، ولا نكران أنه من الجميل تعلم التعامل بلطف مع ضعاف السمع من كبار السن وغيرهم عند إيصال معلومة دون قلب الموقف إلى مشهد ساخر قد يحزن المصاب.. كما أنه من الجميل تعلم كيفية التعامل مع وافد لا يتكلم العربية بشكل سليم، وتشجيعه على ذلك ترغيبًا بتحسينها.
ودور المعلم يجيء هنا، في الحصص العملية، وحصص النشاطات، عندما يبدل بعشوائية أماكن الطلاب، ويحرص على تعاون المواطن مع المقيم، والحضري مع البدوي، والأسود مع الأبيض، والرشيق مع السمين، وصحيح العين مع الأحول، وصحيح البدن مع الأعرج، فيكون حل لغز بين اثنين أو تكوين حوار أو التفكير في مسألة حسابية أو تطبيق درسٍ ما وسيلة تربوية غير مباشرة تربي جيلًا يؤمن بأن لا اختلاف جوهري بين البشر، وأن الأفكار محط اختلاف لا يبيح لك التعالي أو التنمر أو التعامل بطريقة غير أخلاقية.
تويتر أصبح نموذج مصغر من المجتمع، لا أعتبره وهمي بل أكثر واقعية من العالم الواقعي، فإنك خارج مواقع التواصل تتعامل مع الناس بطريقة تخفي إلى حد ما اعتقاداتك، طريقة تجردك دبلوماسيا من أفكارك حول الناس لتنهي المواقف باختصار، وتنجز مهامك بسرعة، وتأخذ مصالحك بسلام، لكن تويتر بشكل خاص ومواقع التواصل الاجتماعية بشكل عام هو النموذج الحقيقي للبشر، يجردهم من دبلوماسيتهم، يطلعك على أفكارهم المتحفظ عليها خلف الشاشة، هناك تستطيع فهم المجتمع ذي الصورة الحسنة في الشوارع وميادين العمل كيف يفكرون في حقيقة الأمر، والطفل ظريف الشكل خلف زيه المدرسي كيف يرى الآخرين وبمن يقتدي، مواقع التواصل الاجتماعية والذي يختصرها تويتر هي الحقل الحقيقي الذي تستطيع من خلاله استشفاف مستوى الفكر الحالي للأجيال بمختلفها في مختلف المجتمعات، وما أراه حقيقة هو مجموعة – ليست بالهينة – متدنية الفكر، متدنية الأخلاق، تفشى التنمر بين أفرادها.
أول مرة واجهتُ فيها التنمر كانت في الروضة حيث تنمر علي زملائي الصغار بسبب شعري الأجعد، وفي المرحلة المتوسطة واجهتُ موقفًا مع إحدى المدرسات حيث سخرت من لكنتي الحجازية أمام زميلاتي، ومررتُ بمرحلة كنتُ أخجل فيها من أبسط الأمور في شكلي.
لو بدأ الطفل حياته بتربية صالحة في المدرسة ومع رفاقه، ثم انتقل إلى المتوسطة ليجد توعية تناسب عمره، ثم الثانوية، وأدخلت الرحلات الخارجية الإنسانية ضمن منهجه التربوي، دون أن يشعر بأنه مرغم على ذلك، وبلا اختبارات دورية، بل مجرد تقييم على التفاعل أو الحضور، إن اعتاد على رؤية هذه الفئات المضطهدة في المجتمع بمختلفها منذ صغره، وفي طفولته عامل الأطفال كأطفال، وفي مراهقته عامل المراهق كأخ، وفي شبابه عامل الشاب كما لو كان صديقه أو أخاه أو أباه بحسب حالته، لاعتدل اعوجاج أجيالنا، لأن الرحمة والخوف من الله وصحوة الضمير ستكون في أوجها عندما يتزوج الإنسان المثقف أخلاقيًّا فيتحمل مسؤولية زوجه على أكمل وجه ممكن، ويصبح والدًا كفؤًا، وموظفًا أمينًا على عمله، وقائدًا حقًّا لفريقه،* وطالما كان محسنًا إلى الناس، سيؤتمن على أملاك الناس وأسرارهم وسمعتهم.
إن صلاح الدنيا كله يرتكز على الأخلاق، لطالما ردد المسؤولون أن الوالدين هما أساس تربية أبنائهم على السلوكيات السوية والأخلاق الحميدة، لو فرضنا صحة ذلك، من يفسر لي خروج الفاسد من ظهر الصالح، أو الهمجي من بيت راقٍ، أو المروّج من بيت متزن، أو الفاشل من بيتٍ ناجح، أو المنحرف من بيت محافظ ؟
إن هذه الفئات بدأت بالانتشار بيننا بالتدريج حتى صارت ظواهر، والظاهرة منها اعتدنا عليها حتى تحولت إلى شيء غير خارج عن المألوف، شيء صار من الطبيعي مقابلته في أي مكان، تعايشنا مع الفساد كما لو كان صلاحًا، ومع الخطأ كما لو كان صوابًا ومع الشر كما لو كان خيرًا.
من السبب في ظهور هذه الفئات وتكاثرها وتجرئها في الاستمرار بممارسة ما تمارسه والدعوة إليه والوقوف في وجه من يعارضه من قبل أن يقتحم الإنترنت بيوتنا ؟ أليسوا زملاء الدراسة ؟ ما سبب تطرف من تربى مع إخوته على الوسطية ؟ ما سبب خروج إرهابي من بيت تربى على الوطنية ؟ أليسوا المعلمين ؟ حتى وإن افترضنا أن المناهج وسطية “بحت” فأين الخلل ؟ أيولد الإنسان متطرفًا أم على الفطرة السوية ؟
وماذا عمن لم يكملوا عقدهم الثاني وأعلنوا إلحادهم ؟ ماذا عن اللادينيين منهم أو من اعتنقوا دينًا آخرًا في سن مبكرة ؟ بالإضافة إلى تأثير مواقع التواصل والشبكة العنكبوتية، ما السبب برأيكم ؟ إن السبب – برأيي أنا – أنهم تربوا في البيت على فكر ديني معين، وتربوا في المدرسة على فكر ديني مغاير، حتى وإن كانت العقيدة واحدة إلا أن الاعتقادات مختلفة ودرجة التشدد والانفتاح مختلفة وغيرها من الأمور والتعاليم أيضًا تختلف في البيت عنها في المدرسة، فاحتاروا أي الدربين يسلكون ثم انحرفوا عن كليهما، ولجؤوا للأمان، وهو التحول إلى تيار تعلموه بأنفسهم وانتقوا منه ما راق لهم دون الوقوع بين برمجتين متناقضتين.
ما الذي نحتاجه إذن ؟ إنا بحاجة إلى تربية الجيل الجديد على الأخلاق، نركز على سلوكياتهم وأفكارهم بطريقة احترافية مثقفة تناسب أعمارهم وعقولهم في كل مرحلة، دون التقليل من شأن فئة ولا التعظيم من شأن أخرى، نربيهم على الأخلاق وعلى الدين الوسط، نبنيهم على الصواب، حتى إذا ما مروا بمرحلة تطرف تراجعوا عنها لأنهم تربوا على الابتسامة واللين، وحتى إذا ما انحرفوا إلى الإرهاب تراجعوا عنه لأنهم تربوا على الرحمة وتقبل الاختلاف، وحتى إذا ما اختاروا اعتناق دين آخر أو التحول إلى تيار لا ديني أو ملحد تذكروا أن الحرية لا تكون بجرح الآخرين، ولا بالإقلال من فضل الوالدين، ولا بنكران الجميل، ولا في التركيز على الثانويات وإهمال الأولويات، ولا في نقد الطرف الآخر المختلف عنهم والتنمر عليه، ولا في العمل ببراغماتية وميكافيلية تبرر الوسائل المنحطة في سبيل الوصول إلى الحقوق.
عندما كنتُ في الصف الرابع الإبتدائي، كنت أُدَرّسُ منهج التربية والسلوك، منهج كان يهذبنا على معاملة الأصغر منا بالعطف ومعاملة الأكبر منا بالاحترام، كان منهجًا مدعمًا بأحاديث “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر” وتتبعها أخلاقيات سامية، لكنه توقف ولم يشمل الدفعات التالية، وكأنها مادة بلا أهمية.
نحن بحاجة إلى هذا المنهج التربوي على أن يكون شاملًا لكل جوانب حياة الإنسان، فيعلم الطفل كل الإنسانية الحقة حتى بالرفق بالحيوان، فلا يبيح لنفسه قذف كلب أو القسوة على خنزير أو تعذيب فأر بحجة أنها حيوانات نجسة.
عندما يكون حجر أساس الفكر هو الأخلاق الحميدة لن يسقط أبدًا، لأنه ارتكز على أساس قوي.
لابد من إدخال هذا المنهج في مدارسنا وتعليمه أبنائنا، وستكون حتمًا مادة ممتعة وثرية، كتبها تحتوي على مقالات لفلاسفة أدباء كتبوا عن الأخلاق والقيم، وتتطرق إلى الدولة المثلى لسقراط والمدينة الفاضلة لأفلاطون، وتفسر الديمقراطية والدكتاتورية والبراغماتية والميكافيلية، وتسرد الأنماط الشخصية… إلخ.
لو اجتمع من أجله أكثر الناس وعيًا ورحمة وثقافة سيكون إنجازًا عظيمًا، لو اجتمع من أجله ممرضو ذوي الاحتياجات الخاصة ودور العجزة، وأبرز الأخصائيين الاجتماعيين ومدربي التنمية البشرية، وناشطون اجتماعيون، ووضع الآباء منهم وصاياهم لأبنائهم، لحصلنا على مادة قيمة رائعة كاملة مثقفة إنسانية تناسب جميع المراحل الدراسية بدءًا بالصف الأول الابتدائي وحتى الصف الثالث الثانوي، واعتمدنا على جيل واعٍ مهذب مثقف يليق بدولة سعودية رابعة قوية، عالمية السيادة.
إن النهضة الفكرية والتطور الاجتماعي والقوامة الدينية والسلطة الدولية – صدقوني – جميعها تبدأ بالأخلاق.

* كاتبة سعودية




تقييم
7.00/10 (2 صوت)