الجمعة 6 ربيع الأول 1442 / 23 أكتوبر 2020

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
08-28-1439 01:05
تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1066
حبيب العازمي ..  و لحظة التحوُّل  بين جيلين !
حبيب العازمي ..  و لحظة التحوُّل  بين جيلين !
رؤية د. سعود الصاعدي ظل شعر المحاورة مشدودا إلى ذاكرته الأولى كموروث شعبي يتداوله عشّاقه في مجالسهم الخاصة و أكثرهم كان من كبار السن الذين كانت لديهم القدرة على استبطان المعاني الرمزية بين طرفي المحاورة بحكم ارتباطهم بفن المحاورة تاريخا و أحداثا اجتماعية تكوّن مرجعية هذا الفن ، و برغم أن الشعر في هذا الموروث اتسع في مضامينه في وقت مبكر مع عبد الله المسعودي و محمد الجبرتي و محمد بن تويم و مطلق الثبيتي و صياف الحربي و خلف بن هذال و مستور العصيمي و شليويح المطيري و رشيد الزلامي و جار الله السواط و محمد بن جرشان و علي الهجلة و غيرهم من الشعراء المبدعين في هذا الفن و هي الأسماء التي خدمت هذا الموروث و شكّلت ذاكرته و تاريخه *دون أن يعني ذكر الأسماء الحصر فثمة أسماء في تاريخ هذا الموروث لها أثرها و حضورها في الذاكرة ، بيد أن من ذكرت يعدّون ممثلي مرحلة هذا الفن ، و هي مرحلة ما قبل جيل الطفرة الشبابية إذا صح هذا التحقيب لفن المحاورة .
*و لا شك أن لسيادة هذه الأسماء و هيمنتها على شعر المحاورة أثرا كبيرا في إعطاء هذا الفن عمقه و نخبويته بين كبار السن ، و كان في هذه الفترة خارج اهتمام الشريحة الكبرى من الشباب قبل فترة التحوّل التي بدأت مع الجيل الثاني لشعر المحاورة ، إن صح هذا الوصف ، و هو جيل حبيب العازمي ، و أخصّه هنا بالذكر باعتباره فارس ليلة تكريمه ، و قد كان دخول حبيب ساحة هذا الفن نقطة التحوّل التي جعلت فن المحاورة مطلبا جماهيريا و نقلته من ذائقة الجيل الأول و شروطه إلى ذائقة الجيل الثاني و شروطه المختلفة بحكم الفارق الزمني بين الجيلين ، و لا أقصد بالفارق الزمني هنا فارق العمر في السن ، و إنما فارق العصر و ما يتطلّبه من تجديد و تحوّل فني في الذائقة حسب شروط التلقّي الجديدة .
*و في هذه المقالة سأرصد أهم ما يتميّز به حبيب العازمي في تجربته الشعرية في فن المحاورة و أراها ذات أثر *في سيرورة هذا الشاعر و في أن كان هو تحديدا نقطة التحوّل في تاريخ المحاورة بين جيلين ، دون أن يعني ذلك التقليل من حجم الشعراء سواء الذين سبقوه أو الذين جايلوه ، فثمة من لديه مثل ما لدي حبيب من القدرات الشعرية و المهارة في المناورة ، بل يمكن عدّ حبيب العازمي امتدادا لمن سبقه من الشعراء في كثير من ملامحه الفنية ، لكن هذه المقالة معنيّة بوصف واقع لا يمكن القفز عليه أو تجاهله ، و هو أن دخول حبيب العازمي معترك ساحة هذا الفن هو لحظة التحوّل الحقيقية كما أسلفت ، و في أبياته ما يشير إلى هذه النقلة ، حيث صارت مرتكزا دلاليا في بيت أطلق شعلته في بدايات دخوله ساحة المحاورة ، متحديا أبرز رموز الشعر في هذا الفن *:
يا نار شبّي ف مطلق و مستور
*.. و ان مرّ صيّاف شبّي في ثيابه !
ما يعني أن الشاعر هنا يعلن تحدّيه لأبرز ممثلي الجيل السابق لجيله ، و هو البيت الذي التقط مطلق دلالته في محاورة مع حبيب ، و جعله علامة على هذا الطموح الجديد في نَفَس الشاعر و رغبته الجامحة في التجاوز :
يا حبيب في ثياب الناس شبّيت الحرايق
.. وش ورا هذا القضيّةْ يا حبيّب و ش وراها ؟
و منذ تلك اللحظة و نجم حبيب في صعود حتى اكتمل في سمائه شاعرا له نمطه و طريقته الشعرية التي جذبت إليه شريحة كبيرة من الشباب قبل أن تتّسع تحديات الشعراء و تتسع مذاهب المتابعين و مشاربهم فيما بعد .
*و عودٌ إلى ما تميز به حبيب في هذا السياق و جعله كما أسلفتُ بداية التحوّل لجماهرية شعر المحاورة بعد أن كان مقصورا على كبار السن أو حتى من لديهم ميول خاصة تجاه هذا الفن ، يمكن تحديد هذه السمات في أربع أمور :
1- جودة الأداء : فقد امتاز حبيب بجودة الأداء سواء ما يتعلّق بالصوت أو اختيار اللحن أو حتى اختيار الوزن الذي يجعل الصفوف و الجمهور أكثر تفاعلا و نشاطا ، و هذه من سمات حبيب التي كانت في مطلع بداياته حاضرة بشكل لافت و استمرت معه إلى أن بدأت المحاورة في طلب التجدد مرة أخرى بحثا عن ألحان و طواريق جديدة ظهرت مع نزوغ نجم تركي الميزاني ، الذي يدلّ لقبه ( تركي ألفين ) على التحوّل الآخر في حقبة جديدة واصل حبيب تفاعله معها و لكن بحماسٍ أقلّ بعد قطع شوطا كبيرا في حلبة هذا الفن ، لكن هذه السمة ( جودة الأداء) غالبا ما تكون حاضرة في محاورات حبيب الشعرية و هي من أهم الأسباب التي جعلت له قبولا عند الجمهور ، كما كانت سببا في امتداد هذا الفن في ذاكرة الشباب و تجدد رغبتهم فيه .
2- جودة المطلع : يمتاز حبيب في مفتتح محاوراته ببراعة الاستهلال و جودة المطلع ، و من يتتبع مطالعه يجد فيها تكثيفا *و تنويها بالشاعر أو بمنطقته أو تلويحا ذكيا بالمعنى أو إعلانا للتحدي و الإثارة ، و يصح لي هنا أن أعدّ حبيب العازمي في المطالع امتدادا للشاعر الفذ عبد الله المسعودي ، فثمة تشابه بين الشاعرين في التركيز على المطالع الشعرية و جعلها قابلة للسيرورة و التنقّل عبر ذاكرة الشعر .*
*من مطالع حبيب ، بيت استهله في محاورة الشاعر عوض الله أبو مشعاب ، رحمه الله :
يا الشاعر اللي من ديار سليم شدّيت الرحال
.. عطنا علوم سليم من بعد البطا وش حالها ؟
و بيت آخر استهل به محاورة الشاعر صياف الحربي رحمه الله:
بسم الله الرحمن حرب الملعبة دارت رحاه
.. بامر الرجال اللي تمون و لا تضيع حقوقها !
و غيرها كثير ، يستحق معها أن يوصف حبيب بشاعر المطالع خلفا للشاعر عبد الله المسعودي كما أسلفت .
3- ذاكرة المكان : مما يحسب لحبيب أنّه شاعر لا يغفل عن تسجيل المكان في خارطته الشعرية ، و هو في نظري من أكثر الشعراء اهتماما بهذا الملمح ، سواء كان ذكر المكان من أجل توثيق الحدث أو من أجل توظيفه رمزا في الدلالة على معنى من المعاني التي هي موضع الاهتمام في هذا الفن ، و يبدو لي أنه في هذا الجانب امتداد لصياف الحربي الذي يحتفي بذكر الأمكنة في محاوراته *، سواء منها ما يتعلّق بالديار أو أسماء الجبال .إذ تجد في معجم حبيب ذاكرة مكانية لأسماء الديار و الجبال و الأودية .
4- سرعة البديهة : و هذه السمة و إن كانت سمة مشتركة بين الشعراء لحساسية هذا الفن و ارتكازه على هذه المهارة في الفتل و النقض ، إلا أن ما يميز *حبيب العازمي في توظيف هذه السمة خفة الظل و روح الدعابة التي تسري في أبياته ، و هي دعابة غير مكشوفة و صريحة ، و إنما ذات دلالة إيحائية تخدم المعنى المطروح الذي يتم تداوله أثناء المحاورة .
*هذه بعض السمات و الملامح التي أراها ماثلة في تجربة حبيب العازمي و كانت سببا في ذيوع اسمه في هذا الفن ، بالإضافة إلى غيرها من السمات و الصفات التي تدعمها في هذا الاتجاه .
و فيما يلي يمكن أن نعالج نموذجا شعريا حواريا دار في محاورة مبكرة بين صياف الحربي و حبيب العازمي لنرى من خلاله ما يدعم فكرة المقالة التي تفترض أن تجربة حبيب كانت تجربة مفصلية و نوعية في تاريخ شعر المحاورة ، و عناصر هذه المحاورة الشعرية توضح هذا بجلاء ، فالطرف الأول صياف الحربي أحد رموز هذا الفن في الجيل السابق ، و الطرف الثاني حبيب العازمي ممثّل الجيل الجديد : جيل التحوّل الشعري في هذا الفن ، أما مكان المحاورة فهو العنصر الأهم الذي يمكن اعتباره رمزا لهذه اللعبة ، فهو مكان محايد لا ينتمي لمنطقة و لا لقبيلة و إنما ينتمي لهذا الفن ممثلا في استديو الإذاعة عند الشاعر الراحل و الإعلامي البارز محمد بن شلاح المطيري ، و هذا يعطي مكان المحاورة سياقا تأويليّا يدعم فكرة تاريخ هذا الفن و يشير إليه بوصفه رمزا لهذا الموروث المحاط برموزه الشعرية من الشعراء البارزين ، و في هذا السياق يمثّلهم صياف الحربي الذي بدأ المحاورة ببيتين دالّين على هذا الغرض :
جانا فـ برنامج حياة البادية شاعر جديد
.. يا مرحبا بـ اللي على عزّ و شرف سار قدِمِه
يا العازمي ليلٍ رمى بك في يدينا ليل عيد
.. لكنّ اشوف الذيب تال الليل يفتح لك فمه !!
فمن الواضح هنا أن "حياة البادية" رغم أنّه يحيل على البرنامج إلا أنّه يتسع ليشمل هذا الموروث الشعري بتاريخه الطويل الممثل لحياة البدو في مبارياتهم و منازلاتهم الشعرية ، و قد احترم الشاعر خصمه الجديد ، لكنّه حذّره في الوقت نفسه من تبعات النزال الشعري المحاط بالذئاب / الشعراء ، مع ما في هذا الافتتاح من تحدّ و اختبار لمقدرة الشاعر الجديد ، فجاء رد حبيب في سياق هذا التنافس و التحدي الكبير :
ما جاكم الا خصمكم و الله يدبّر ما يريد
.. دام البقا و الحقّ يقضي فيه قاض المحكمه
أنا حسبت حساب وقتي من قريب و من بعيد
.. و اليا لقيت الذيب اسمّي باسم ربي و ارجمه !
*فهنا يظهر أن الشاعر لم يأت ليكون ضيفا جديدا و لم يسلّم. بذلك أو يعترف به ، و إنما عدّ نفسه خصما له اعتباره ، يرد النزال الشعري بشروطه و قوانينه التي تحكم على كلّ شاعر بالفشل أو النجاح ، و قد دخل *هذا المعترك بعد أن أعدّ العدّة لكل الشعراء ، فعرف ما يلزم فعله تجاه كلّ شاعر شرس يقف في طريقه .
*بهذه العدة الشعرية و بهذا التحدي خاض حبيب العازمي ساحة شعر المحاورة ، فكان من أهم شعراء هذا الفن ، و هو في نظري و تبعا لما ذكرت في هذه المقالة ، يعدّ شاعرا مجددا في هذا الفن ، و ذلك ما جعله شاعر التحوّل بين جيلين ، و في تجربته الممتدة منذ دخل ساحة المحاورة إلى أن بلغ ذروة حضوره ما يشير إلى هذا ، سواء من خلال تحدّي البدايات ، أو تحدّي المنافسات مع الأقران ، و لست هنا مقرظا للتجربة بقدر ما أصفها كما تراءت لي عبر امتداد تاريخ هذا الموروث الفلكلوري الحواري أحد أهم مورثاتنا الشعرية التي تؤسس لمسرحة الشعر فيما يخص الشعر العامي ذا الطابع الاحتفالي كما يرى د. سعد الصويّان .




تقييم
3.25/10 (5 صوت)