الأحد 29 جمادى الثاني 1441 / 23 فبراير 2020

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
10-29-1433 10:26
تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 5163
الشعر .. والشعر الشعبي
الشعر .. والشعر الشعبي
عبدالله السفياني *


لا شك أن لكلمة الأدب والشعر المنزلة العظمى بين العقلاء من الناس فالشعر هو لسان الناس المعبر عن شعورهم وأحاسيسهم , وكلمة الأدب هي الكلمة المؤثرة في الجيل المحركة للنفوس الملهبة للحماس .
إن الأدب يعصم صاحبه من زلة الجهل , وإنه يروض الأخلاق ويلين الطباع , ويعين على المروءة وينهض بالهمم إلى طلب المعالي والأمور الشريفة .
وما الشعر إلا من الشعور بل هو الشعور بذاته تفيض به النفس فيتحد بنغم يوقعه الشاعر على أوتار قلبه , ويحمله على أجنحة مخيلته فيولد ما يدعونه القصيدة .
الشعر كما عرفه الكثير من العلماء والأدباء هو :
الكلام المقيد بالوزن والقافية الذي قصد به الجمال الفني (المعبر غالبا عن الانفعال وصور الخيال البديع) .
وقد تجاوز بعضهم حدود الشعر بالمعنى السابق وأطلقه على كل كلام تضمن خيالا ولو لم يكن موزونا ومقفى .
والشعر موهبة تصقله الثقافة والتجارب التي يمر بها الشاعر في حياته ويكون لها أثر كبير في شعوره وتحريك وجدانه , ولا يستطيع من منحه الله موهبة الشعر إلا أن يكون شاعرا شاء ذلك أم أبى، لأن الشعر شيء يختلج به الصدر وتفيض به المشاعر قبل أن ينطق به اللسان .
هو زاد المسافر وملهاة السامر ومسلاة للمهموم وسلوة للمكظوم , وهو جمال القول وفتنة الكلام .
والشعر وسيلة تعبير عن ما يدور في خلجات النفس البشرية ...
وهذا يشمل الشعر بشقيه : الشعر العربي الفصيح والشعر الشعبي
فالشعر الشعبي شعر عربي لغته عامية لكنه يحمل خصائص وفنون الشعر العربي , وتوجد فيه جميع عناصر ومميزات الشعر العربي الفصيح من بلاغة وإيجاز وسرعة خاطر ودقة وصف واتحاد موضوع .
وهو إبداع يحمل الكثير من الملامح الجمالية ويحمل الصور ألإبداعيه نفسها التي يحملها أي إبداع آخر .والحق أن في الأدب الشعبي صورا إنسانية ولفتات فلسفية لا يستهان بها , وهو إلى جانب ذلك فيه تاريخ أخلاقي للجزيرة العربية , وفيه تاريخ أحداث ووقائع أيضا. وإذا نظرنا إلى الشعر العربي الفصيح والشعر الشعبي نجدهما ثمرة من ثمار العقل والتجريب ونبع ينبع من إحساس وشعور الشاعر . ومما لا شك فيه أن للشعر الشعبي المكانة المرموقة بين أفراد المجتمع على اختلاف الطبقات وله بصماته الخاصة والواضحة وتأثيره بالنفوس . وقد قيل : من لا تراث له لا حضارة له .
لذا نجد كل الشعوب تعتز بتراثها وتحافظ عليه, والشعر بشقيه الفصيح والشعبي كلاهما يعدان من تراث العرب وسجل أمجادهم ومفاخرهم الماضية .
ومما يميز الشعر الشعبي اليوم هو أنه يصدر عن طبع وسجية مرسلة والشاعر الشعبي أبعد ما يكون من التكلف في خواطره واجترار العبارات وهو أي الشعر الشعبي من أجمل وأقرب الألحان إلى النفوس .
إذا كان ابن خلدون أول مَن أدرك العلاقة بين الشعر النبطيّ وشعر الجاهلية وصدر الإسلام وعالجها في مقدمته الشهيرة فإن هذه العلاقة ظلّت مثار التباس طوال قرون مثلها مثل الشعر النبطي نفسه الذي لم يحظ بما ينبغي أن يحظي به من اهتمام علميّ ونقد موضوعي وتصنيف. وإن لم يسمّ ابن خلدون هذا الشعر الذي عرفته الجزيرة العربية في العصور الغابرة بـ النبطي فهو سمّاه بالشعر البدوي والقيسيّ بحسب لغة أهل المشرق وسمّاه بـ الأصمعيات وفق لسان أهل المغرب. علي أنّ التسمية النبطية لم يبتدعها إلا أهل الجزيرة وبدت مقصورة عليهم. وتفيد معظم الدلائل التاريخية بأن هذه التسمية اشتقت وصيغت داخل الجزيرة علي أيدي العلماء والنسّاخ.
قد لا يكون كتاب الباحث السعودي سعد العبدالله الصويان الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص أول بحث يتناول قضية الشعر النبطي، لكنه حتماً أول بحث علمي يرسخ ظاهرة هذا الشعر عربياً ويستفيض في معالجة قضاياه المعقدة، مرتكزاً الي مناهج عدة كالمنهج التاريخي والمنهج الاجتماعي والمنهج اللغوي ومنهج المقارنة... ولعل الكتاب الذي تخطت صفحاته الست مئة افترض جهداً بالغاً وسنوات من البحث عن المادة الشعرية في ثنايا المخطوطات ومن العودة إلي عيون المصادر الشفوية والمخطوطة. وكان لا بدّ للباحث أن يتصدي بدءاً للمواقف السلبية التي كثيراً ما تبناها النقاد والمثقفون العرب حيال هذا الشعر وحيال الأدب الشعبي عموماً، وأن يناقش بعض المقولات الدينية والقومية والسياسية والنخبوية التي عزلت هذا الشعر الشعبي وعادته وكالت له التهمة تلو الأخري. ويري الباحث أن الشعراء الذين كتبوا الشعر النبطي واعتمدوا اللغة العامية لم يتخلّوا عن التزامهم مبدأ إحياء اللغة الفصحي والحفاظ عليها، ولم يسعوا الي تشجيع العامية علي حساب الفصحي وإنما علي العكس، فشعرهم هو سليل الشعر العربي ووليد اللغة العربية. ولعل التحفظ عن هذا الشعر أو الشك فيه لا أساس واقعياً له بل ان منشأه هو سوء الفهم والمنطق الخاطئ. ولم يؤدّ تجاهل الشعر النبطيّ نخبوياً وسياسياً وقومياً إلا الي رواجه وشيوعه في الأوساط الشعبية والارياف والمناطق وبعض المعتركات الأدبية.
يعالج سعيد العبدالله الصويان قضية الشعر النبطي في سياقها المفترض وفي صميم الثقافة الشعبية التي ينتمي اليها هذا الشعر. لكنه أيضاً لا يتواني عن ترسيخ هذا الشعر الشعبي في أديم الشعر الجاهلي وشعر صدر الاسلام وهما ينتميان الي تراث اللغة العربية الفصحي. فالعلاقة الوثيقة التي تربط بين الشعر النبطي واللغة العربية هي خير دليل علي شرعية هذا الشعر وعلي جذوره العربية الصافية. وهذه العلاقة لا تدل عليها فقط أوجه الشبه بين بعض القصائد أو الأبيات من هذا الشعر وذاك، بل تؤكدها الرؤية الشاملة التي توحّد بين الشعرين وكذلك وحدة النظرة والموقف. والعلاقة هذه لا تُختصر في الناحية اللغوية والبلاغية أيضاً لأنها علاقة عميقة وذات أبعاد عدة وليست علي قدر من البساطة كما يظن البعض. إنها علاقة شائكة وكثيرة المنعطفات والمزالق وتحكمها قوانين متشعّبة وهي تتفاوت بين مرتبتين ولكن غير منفصلتين واحدتهما عن الأخري. فهي علاقة أدبية (ولغوية) وعلاقة تاريخية - حضارية. العلاقة الأدبية علاقة مصطنعة مبنية علي المحاكاة الشعورية والتقليد الواعي . أما العلاقة التاريخية - الحضارية فهي علاقة طبيعية عضوية عمادها النسب اللغوي والفني وقوامها الاستمرار التاريخي والحضاري بين مجتمعات الجزيرة العربية منذ العصور القديمة حتي العصر الراهن. ليس من المستهجن إذاً أن يلتقي الشاعر النبطي وشاعر الجاهلية أو شاعر صدر الإسلام في وحدة الرؤية الحضارية والحس الفني والمعاني المتقاربة والصناعة المتطابقة. فالشعر هنا، كما يعبر الباحث، هو صدي للحياة نفسها وللظروف الطبيعية والاجتماعية نفسها. أما التشابه الناجم عن هذه العلاقة بين الشعر النبطي وشعر الجاهلية وصدر الاسلام فهو تشابه تلقائي وغير شعوري يمليه تشابه الظروف والمعطيات التي تتكون منها المادة الشعرية. لا تقلد القصيدة النبطية القصيدة الجاهلية أو قصيدة صدر الاسلام ولا تحاكيهما محاكاة عمياء بل هي امتداد لهما وتقوم مثلهما علي الإبداع الجديد. والشاعر الجاهلي، كما يعبّر الباحث، لا يتجشم معارضة القصيدة الجاهلية ولا يتكلّف تقليد البيت الجاهلي لكنه يغرف من المعين نفسه ويرد الموارد التي استقي منها الشاعر الجاهلي. ولا يختلف الشعر النبطي كثيراً عن شعر الجاهلية وصدر الاسلام في بعض المفاهيم والمثل والرؤي وفي المعاني التي تمنحها حياة الصحراء القاسية. ويري الباحث أن القصيدة النبطية والجاهلية صورة للواقع ورصد للأحداث وسجل للقيم التي جعلت من حياة الصحراء، علي رغم شظفها وتقلباتها، حياة تليق بالإنسان


* شاعر وناقد سعودي




التعليقات
#40 [العتيبي]
1.01/5 (12 صوت)

11-02-1433 01:50
تطواف رائع حول عملية النقد فبارك الله لك اخي هذا الجهد الثمين،نفع الله بك.


ردود على العتيبي
Saudi Arabia [عبدالله السفياني] 11-04-1433 02:17
مشكور على هذا الكلام الاكثر

من رائع


#44 Saudi Arabia [رزن السلمي]
1.02/5 (12 صوت)

11-13-1433 09:53
شاعرنا القدير عبدالله السفياني

تسلم يمينك طال عمرك

ما أجمل النقد عندما يخرج من قلب شاعر صادق وناقد حاذق

وفقك الله واسعدك في الدارين


ردود على رزن السلمي
Saudi Arabia [عبدالله السفياني] 11-15-1433 04:32
مشكور الله لايهينك على هذا الكلام

المعبر وهذا دليل على وعيك وفهمك الثاقف

مرور اسعدني الله يوفقك ويغليك


تقييم
2.72/10 (21 صوت)